مرة أخرى أصوات التفجيرات عادت لتدوي في أفنية الكنائس فتبعثر الأحياء وتحولهم إلى أشلاء وترتدي معها النساء ثياب الحداد.

مُجددًا عادت الغربان تعوي في بيوت الله فتحول تراتيل الصلاة إلى عويل، وترتفع أصوات أجراس الخطر على مستقبل وطن.

اليوم حلقة من حلقات مسلسل نزيف الدم المصري يضرب موعدًا مع رقاب المصلين، حين ضربت عدة تفجيرات صباح الأحد عددًا من الكنائس، مخَلفة وراءها عشرات القتلى ومئات الجرحى وتحقيقات لا تنتهي، في انتظار حادث آخر وجثث أخرى ليظل الطائر الأسود ينعق في مدننا وشوارعنا وبيوتنا ودور عبادتنا.

سأقولها ألف مرة أنا ضد سفك الدماء البريئة مهما كان لون خلافي معها، وإذا كنت سأستخدم أشد عبارات الاستنكار ضد هذه الثلة الباغية التي اقترفت هذا العمل اللاإنساني، ولكن أحيانًا لا يمكن تبرئة الضحية، لأنه من غير المعقول أن أسير في طريق يسلكه قطاع الطرق وحين أصاب بأذى ألومهم!

قد يرى البعض أنه من غير المناسب توجيه اللوم للكنسية في هذا الظرف، ولكن لحرصي على دماء الأبرياء، أجد نفسي أحملها جزءًا كبيرًا مما يجري، وذلك بإصرارها وانجرارها الأعمى وراء السيسي وهي ترى أنه لا يألو جهدًا في التنكيل بأبناء التيار الإسلامي.

كان من الحكمة أن تنأى الكنيسة بنفسها عن الصراع السياسي «المرير» الدائر في مصر منذ الانقلاب الأسود وتقف على الحياد وبالتالي لا تلوث ثيابها، من هنا لا أرى حرجًا أن تتراجع قليلًا في هذا التوقيت الذي يشهد صراعًا بين النظام وبعض الجماعات المتشددة ولا يعلم أحد متى سيتوقف.

فحين تخندقت الكنيسة مع النظام، جعلها شريكًا غير مباشر وبالتالي أعطت رسالة سلبية، هيأت التربة الخصبة لزراعة بذور الطائفية والكراهية فكانت النتجية أن أصبحت هدفًا سهلًا ومستباحًا لخصوم النظام.

الطامة الكبرى أن القاصي والداني يلمس انحياز الكنيسة للسيسي ليس لمصلحة وطن وإنما نكاية وكراهية في تيار الإسلام السياسي! ففي الوقت الذي ترى الكنيسة، النظام وهو يقوم بقتل وتصفية ومحاكمات واختطاف وتعذيب الأبرياء، لا نسمع لها صوت استنكار (باعتبارها مؤسسة دينية) ولكنها تلزم الصمت وليتها صمتت لكان خيرًا لها، بل راحت تهلل لكل أفعاله وتجيش أتباعها ليكونوا باستقباله في حِله وترحَاله!

مرة أخرى باسم الدين والإنسانية أطالب الكنيسة أن تُعلي مصلحة الوطن وتنأى بنفسها وتتبرأ من دعمها اللامحدود للسيسي، كما أطالبهم أن يكون خطابهم الإعلامي عقلانيًا معتدلًا بعيدًا عن الازدراء حتى نجفف مستنقعات الكراهية.

أنا لست ضد أن يؤيد المسيحيون (أفرادًا) ما يرونه متماشيًا مع مصالحهم ومبادئهم وقناعاتهم ولكن أنا ضد ما تفعله الكنيسة، وتتصرف كأنها حزب سياسي!

الآن وبعد تكرار الأعمال الإجرامية ضد الكنائس يتأكد لنا سؤال موضوعي؛ هل نجح النظام الذي تدثرت خلفه الكنسية في حمايتها؟

التفجيرات التي تطولها أكبر دليل على فشل النظام فيما عولت عليه، للأسف لقد غاب عن الكنسية أن السّلم المجتمعي هو أكبر حصانة وضمانة لكل طوائف المجتمع.

أخيرًا رسالة للنظام المجرم

علمنا التاريخ أن بيئة الاستبداد والديكتاتورية تفرّخ العنف والتطرف والكراهية، فكفى ما تفعلونه من جرجرة البلاد لحرب طائفية إذا ما اندلعت لا قدر الله لن تبقي ولن تذر زرعًا ولا حجرًا، عودوا إلى رشدكم وقبل أن تطعموا الأفواه، أصلحوا الخراب المجتمعي الذي أوصلتمونا إياه، أصلحوا المسار السياسي وأقيموا العدل، افتحوا الأبواب للحريات حتى يتنفس الجميع، أعيدوا الحقوق وكرامة الإنسان، افتحوا أشرعة الأمل أمام الشباب لينتقل من مشروع تفجير حين تستقطبه الأفكار الخبيثة إلى مشروع بناء وإصلاح وإنتاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد