في ظل الهجمة الإلحادية وانتشار الشك في الثوابت الدينية، يظل الشك مسيطرًا على الشاب فيبدأ في الشك في القيم الدينية والروحية المحيطة به، حتى ينتقل الشك إلى النصوص الأولية للدين؛ السنة والقرآن الكريم (على ترتيب وقوع الشك)، ثم يتجه بالشك إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، بل قد يشك في وجود ذاته المفكرة نفسها. ثم يأتي السؤال المعرفي الذي أشغل عقول الناس عبر التاريخ قديما وحديثا: وهو عن كان الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ وهو سؤال قديم جديد، حار فيه الفلاسفة قديمًا، حتى رد عليهم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة، وحار فيه المفكرون حديثًا حتى اتجهوا للإلحاد. وهو سؤال راود الكثيرين منهم الصحابة الكرام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا المقال نرد على هذا السؤال من خلال ثلاثة محاور: الأول تفكيك السؤال وبيان المغالطات العقلية به، والثاني طبيعة الدافع للسؤال، والثالث التعامل النبوي مع السؤال.

أولًا: تفكيك السؤال وبيان المغالطات العقلية

أ‌) تفكيك السؤال

تتلخص هواجس المؤمنين وهجمات الملحدين في القول بأنه إذا كان لكل موجود موجد، وإذا كان الله موجودا، فمن أوجد الله؟ وفي صيغة أخرى: إذا كان لكل شيء سبب، وإذا كان الله شيئا، فما السبب الذي تكون بناء عليه الله؟ وصاغ برتراند رسل هذا السؤال في صيغة ثالثة مركبة يقول فيها: «إذا كان لا بد لكل شيء من سبب، فلا بد أن يكون لله أيضا سبب، وإذا كان من الممكن أن يوجد شيء بلا سبب، فمن الممكن أن يكون العالم كما الله»[1] وأشهر دعاة الإلحاد المعاصر ريتشارد داوكنز جعل الإيمان بالإله وهما، ولخص موقفه في القول: «إن فرضية المصمم الأول تثير مباشرة مشكلة أكبر لمصمم المصمم».[2]

وحقيقة هذا السؤال -وهذه الشبهة- أن الملحد والمؤمن كليهما يؤمن بمبدأ السببية، بمعنى أنه لكل شيء سبب، غير أن المسلم يفرق بين الشيء الموجود في إطار الزمن (يطلق عليه الحادث في الكتابات التراثية) وبين الموجود خارج إطار الزمن. وبالتالي، فالسؤال به مغالطة كبرى وهي أن المؤمن لا يقر – ولا يجب أن يقر- بأن لكل موجود سبب، والصحيح هو أن لكل حادث محدث. ومعنى هذا الكلام أن كل ما نتصور له بداية (الحدوث يعني إدراك بداية للشيء) فلا بد أن يكون هناك سبب لحدوثه، ويصيغ الإمام أبو حامد الغزالي هذه البدهية في قوله:

لكل حادث محدث، الكون حادث، الكون له محدث هو الله سبحانه وتعالى[3].

وهذه الصيغة هي التي فصلها المدافع المسيحي الشهير وليم لين كريج في كتابه الحجة الكلامية الكونية[4] كما ينقل عنه سامي العامري:

1. كل شيء ظهر للوجود يتطلب سببًا لنشأته.

2. الكون ابتدأ في الوجود.

3. إذن لا بد للكون من سبب لوجوده وهو الخالق.

ولإثبات هذه الحجة، لا بد من إثبات أن الكون له بداية (أي أن الكون حادث)، ومعنى أن له بداية هو أن الزمن مخلوق، إذا لا يتصور العقل شيئا خارج الزمان والمكان. فإذا أثبتنا أن الزمان والمكان مخلوقان، كان لا بد لهما من خالق هو أعلى من الزمان فليس قبله شيء وليس بعده شيء ولا يحيط به شيء، وبالتالي يكون السبب الأول الذي ينقطع عنده التسلسل في الأسباب هو خالق الخلق ومالك الملك البارئ المصور، ويجب أن يكون – عقليا – ليس كمثله شيء من خلقه. لأنه لو تصورنا أن مثله شيء تصورناه في زمان ومكان وهو – سبحانه تعالى خالق الزمان والمكان[5].

وقبل أن نجيب عن إثبات خلق الزمان، نتوقف عند المغالطات العقلية في تركيب السؤال:

(ب) المغالطات العقلية

أهم المغالطات المنطقية التي يقع فيها صاحب هذا السؤال الوجودي هي التالية:

1. أغلوطة الفئة category fallacy: وهي تتمثل في خلط الفئات بربط الشيء بغير فئته التي هو منها؛ كالسؤال مثلا عن لون الروائح (ما لون رائحة الفل؟) أو طعوم الألوان (ما طعم اللون البني؟) فهذا مما لا يستقيم لأنك تحاكم الشيء إلى صفة ليست من خصائصه. وكذلك السؤال عن خالق الخالق به نفس المغالطة حيث الخالق قائم بذاته لا يحتاج إلى سبب لوجوده خارج نفسه، فلا يسأل عنه بالمكان أو الزمان وهو خالق الزمان والمكان. والكائن الذي يفرض علينا العقل أن نسلم أنه واجب الوجود لا بد أن يكون بالضرورة متعاليا على العلل المتناهية في الماضي.

2. أغلوطة من الأول: الله أم المادة: يعترض بعض الملحدين بأنه إذا سلمنا أن هناك كائنًا أزليًا أوليًا فلم لا يكون المادة (الكون) بدلا من (اختراع) مفهوم الله؟ وهذه أيضا مغالطة، لأن المادة لا يمكن أن تتصف بالأزلية – فكل ما يمكن تصوره له أبعاد في الزمان والمكان، له بداية وله نهاية، فلا يمكن أن يتمتع بالأزلية – ونظريات العلم الحديث تثبت ذلك. والقول بأن الله – سبحانه – هو الأول والأزلي ليس تصورا للخالق – فالعقل لا يمكنه تصور الخالق، والعقل البشري محكوم بمحددات الزمان والمكان التي لا تحد الخالق. ولكننا نقول بوجوب وجود الخالق عقلا، لا بإمكانية تصور ذات الخالق، بل بالتعرف عليه بآثار خلقه سبحانه.

3. أغلوطة الكون أوجد نفسه: وهي شبيه بالسابقة في القول بأن الكون أوجد نفسه من كون سابق عليه، والسلسلة هنا كذلك لا تنتهي، فمن خلق الكون الأول؟ وإن كان لا أول قبل هذا الكون، فكيف أوجد ذاته من العدم. وانظر لقوله تعالى: «أم خلقوا من غير شيء [العدم] أم هم الخالقون [أوجدوا أنفسهم؟] وكلا الفكرتين يأباها العقل. ولا يبقى سوى احتمال واحد هو ضرورة وجود كائن متعال عن الزمان والمكان أوجد الخلق.

ثانيًا: الدافع وراء السؤال

رأينا أن السؤال يدور بخلد الملحد والمؤمن كليهما، وأنه مما تحار فيه العقول، لأن العقول قاصرة على التصور إلا في حدود الزمان والمكان. وقد كان هذا السؤال يجاب عنه قديما بالتفكير الفلسفي والمقدمات والنتائج المنطقية، لأن الدافع له كان القراءة والمحاورة مع غير المؤمنين من الفلاسفة. أما في العصر الحالي، فالدافع وراء السؤال هو الانبهار بالعلم الحسي التجريبي، والاستكفاء به مصدرا واحدا للمعرفة، حتى صار عقيدة لبعض الناس تسمى العلموية Scientism، وبالتالي فالدافع وراء حيرة الشباب اليوم هو أن العلم يرد كل شيء إلى أسباب، وينفي الغيب الذي لا يرى ولا يحس. والحقيقة أن العلم التجريبي قاصر وحده للإجابة عن الأسئلة الوجودية، وينبغي أن يساعده في ذلك التصورات العقلية التي تقوم على المبادئ العقلية الأولية، وكذلك الخبر الصادق الذي ينبني على التصديق العقلي للرسالة السماوية. ولكننا في هذا المقال لن نلجأ للخبر الصادق، بل سنرد من خلال العلم التجريبي نفسه. فهل أثبت العلم أن الكون له بداية (حادث؟) وأن هناك نقطة كان الزمان عندها يساوي صفرا (بداية خلق الزمن)؟

من المشهور بين علماء الكونيات (الكوزمولوجيا) الآن أن أكثر نظرية راسخة وثابتة في تفسير نشأة الكون هي نظرية الانفجار العظيم The Big Bang ويكاد يجمع هؤلاء العلماء على أنه منذ 13.7 إلى 13.8 بليون سنة تكون الانفجار العظيم، ويقولون: «لم يكن هذا الانفجار في زمان ولا مكان وإنما نشأ الزمان والمكان بسبب هذا الانفجار، ولم يكن شيء قبل الانفجار وإنما وجدت به الأشياء، فخرج المكان إلى حيز الوجود وبدأ الزمان تتابع ساعاته» [6]

وهناك دلائل علمية أخرى مثل القانون الثاني للديناميكا الحرارية، ونظرية تمدد الكون، بالإضافة إلى تهافت البدائل المطروحة القائلة بأزلية الزمان. وفي هذه الحقائق العلمية الدامغة موقف مخز للملحد الذي يزعم أنه يتبع نتائج العلم أيا كانت، فها هو لا يقبلها إذا خالفت هواه.

ثالثًا: موقف النبي من السؤال

كان الصحابة رضوان الله عليهم يتفكرون وتستشكل عليهم بعض الأمور، فيتجهون بأسئلتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لمعرفة الإجابة وشفاء الصدور، وفي الحديث عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ». رواه مسلم. وفي حديث عَبْدِ اللّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ: «تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ». رواه مسلم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هذَا، خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللّهِ». وفي رواية: «آمَنْتُ بِاللّهِ وَرُسُلِه» رواه مسلم، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلِيَنْتَهِ».

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه توجيه لأمرين:

الأول الاستعاذة من الشيطان فهو الذي يوسوس للإنسان بهذه الأسئلة – وهذا علاج نفسي يجعل الشخص الشاك يدرك أن هناك عدوا له وأن هذه العدو يؤثر على نفسيته قبل عقله، فيبدأ بالناحية النفسية إذ يلجأ ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالي العلي القدير من شر وسوسة هذا الشيطان الرجيم، وفي هذا ما فيه من الراحة النفسية الأولية – بمعرفة العدو والارتكان إلى حصن شديد منه، ويزيد التوجيه النبوي أن يقول الشخص: «آمنت بالله» مع ما في ذلك من طمأنة للقلب وتهدئة للنفس، وجمع للهمة لدفع الخواطر السلبية، وهو ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم مرارا بالدعوة لكثرة الذكر، وأن خير ما قاله صلى الله عليه وسلم – والنبيون من قبله – لا إله إلا الله.

لكن التوجيه النبوي الحكيم لا يتوقف عند الناحية النفسية، بل يناقش المسألة العقلية نفسها؛ فقوله صلى الله عليه وسلم (ولينته) لا تعني فقط (يتوقف) عن سلسلة الأسئلة، ولكن تعني كذلك (فليجعل للسلسلة نهاية)، ومعنى هذا الكلام، أنك إذا سألت من خلق كذا وجاءك الرد (خلقه ذاك)، فيكون السؤال التالي (ومن خلق ذاك؟) فيكون الرد (خلقه ذلك) فيكون السؤال التالي (ومن خلق ذلك؟) وهكذا لا تنتهي السلسلة. والعقل يقول إنك لا بد أن تنتهي عند كينونة معينة يبطل عندها التسلسل[7]، وإلا فلا نهاية في الأسئلة ولا الأجوبة، ولا بد من وجود ذات خالقة غير مخلوقة، لا بد من وجود خالق مستغن بذاته، غني عن العالمين، غني عن أن يحتاج إلى من يخلقه. ولذلك فالتوجيه النبوي لا يعني أن تتوقف وتسلم بغير علم، ولكن يعني أن تتوقف لأنه لا بد من التوقف في مرحلة ما، وأنت قد بلغت هذه المرحلة الآن بالوصول إلى (الله سبحانه وتعالى) ولم يعد ثم ضرورة للمزيد من الأسئلة عن محدث الحادث (لأن الله سبحانه وتعالى قديم غير حادث وهو محدث الحوادث ومخالف للحوادث)، وصدق الله العظيم في كتابه الكريم: «وأن إلى ربك المنتهى»! ولكن يمكن الآن التفكر في صفاته سبحانه ومحاولة معرفته، فينتقل الحديث من الشك في الوجود والخلق إلى الاعتراف بالذات الأولى والخالق السرمدي، ومن هذه المعرفة تنبثق الأنوار لمعرفة كل شيء آخر.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يوجه بشرى لمن مر بخبرة هذه الأسئلة الناتجة عن الوسوسة، فهو يؤكد: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، والمعنى أن مدافعة النفس لوسوسة الشيطان والإقبال على بذل الجهد لتحقيق الطمأنينة والإجابة الشافية عن السؤال هو في الحقيقة صريح الإيمان ومحض الإيمان الذي لا يحصل إلا بعد ان تطمئن النفس بعد اضطراب ويهدأ العقل بعد ثورة. فهنيئا لمن وجد ذلك وتغلب عليه فقد وجد صريح الإيمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد