العوالم ثلاثة: عالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم الآخرة (دار الخلود).

لا انفكاك ولا انفصال بين العوالم، والدنيا مزرعة الآخرة، وعالم البرزخ بينهما كحلقة وصل.

اعلم أن الإنسان مركب من جسم كثيف وهو الجسد. وجسم لطيف وهو السائر في حالة النوم. ومن روح هو الرابطة بينهما.

أما جسمه الكثيف فله من العادات ما ينفرد به حيث أنه لا يقطع المسافة إلا بالخطى، ولا يستعلي إلا بالصعود، ولا يشبع إلا بالأكل ولا يروى إلا بالشرب، إلى غير ذلك من العادات.

وأما جسمه اللطيف فله من خوارق العادات ما ينفرد به أيضًا حيث إنه لا يستحيل عليه شيء. فتراه إذا فارق هذا الكثيف في حالة النوم يطير في الهواء ويمشي على الماء ويجتمع مع الراحلين عن عالم الدنيا ويقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة ولا يستحيل عليه شيء مما هو معروف من حال النائم.

وإذا استيقظ الإنسان من نومه فإنه لا يشعر بانزعاج. أثناء حلول الجسم اللطيف بالجسم الكثيف.

إن الناس في الدنيا والآخرة كما هم في البرزخ أحياء حياة كاملة لها مقوماتها وآثارها وما الموت إلا انتقال من حال إلى حال خيرٌ منها (لمن صلح) واستبدال دار بدار أوسع و اكرم، إذ ما من دين سماوي إلا قام على دعامتين:

الأولى: توحيد الله ومقتضياته من العبادة والرياضة و الأخلاق.

الثانية: الحياة بعد الموت مع ما فيها من الجزاء ومقتضيات ذلك وأسبابه.

ولما قلنا بالجسم الكثيف والجسم اللطيف والروح الرابطة بينهما.

فعلى ذلك يحصل الموت بافتراق الجسمين إلى يوم القيامة.

ثم إن للموتى حياة برزخية فيها علم وعمل وسمو وتصرف وهي – أي الروح – هناك أقوى و أقدر وأنفذ وأمهر لانقطاعها عن العلائق المادية، وتخففها من أثقال التكاليف والقبور والحجب البشرية كما لها صلة لم تنقطع بشئون الدنيا على النظام الذي قضاه الله وقدره. وهذه خاصة في أنبياء الله وأوليائه والصالحين وعباده المؤمنين على الخصوص، وهي على العموم محدودة، وغير مستمرة في غيرهم.

ثم إن القبور خزانة الهيكل البشري بعد الموت، وهي مستقر الاعتبار، فإذا هي درست أو لم يكن للميت قبر، أو قام هناك مانع من الزيارة أمكن الاتصال بالروح في كل زمان ومكان، وقد أثبت العلم الحديث وأيده العارفون بالله أن الأرواح جميعًا تحس حركة الفكر في الإنسان إذا توجه لها بقلبه كما لو ناداها بلسانه سواء بسواء، بلا قيد بالمكان وبالزمان ولا بالحركة. وذلك من أخص مميزاته.

ثم اعلم أن الفناء للجسم الكثيف دون الجسم اللطيف و الروح. وأن الموت يقع على البدن لا على الروح. لا فناء مطلق، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين.

قال البدر العيني الحنفي في شرح البخاري عند الكلام في الروح: هو جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء و الأشياء الرديئة الدنيئة، مدرك للجزئيات والكليات حاصل في البدن متصرف فيه غني عن الاغتذاء بريء عن التحلل والنماء، ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر، بل من عالم الملكوت فمن شأنه أن لا يضره خلل البدن.

ولا ننسى بهذه المناسبة أن الأرواح في الدنيا تشعر بالعذاب أو النعيم تبعًا للجسم لأن الجسم مسلط عليها في هذه الدار، وعلى العكس منذلك يعذب الجسم وينعم في الدار الثانية – البرزخ – تبعًا للروح حيث تكون هي المسلطة عليه.

وقد اختلف أهل العلم في الروح الذي اعتبرناه لطيفة ربانية، هل هو جسم لطيف يحل في الجسم الكثيف الإنساني، وهو مذهب الجمهور.

أم هو جوهر مجرد لا مكاني لا يوصف بالحلول والدخول ولا بالخروج والانفصال وغير ذلك من أوصاف الأجسام، بل يوصف بالتعلق به تعلق تدبير ويقطع تعلقه به ذلك التعلق. وممن مال إلى تجرد الروح إمام الهدى أبو منصور الماتريدي، والحليمي، والراغب الأصفهاني، والإمام أبو حامد الغزالي، والإمام الرازي، والإمام البيضاوي، وكثير غيرهم. ومن أحسن من تكلم في ذلك ابن السيد البطليوسي في الحدائق.

وتعجز أكثر العقول عن درك حقيقة الروح ذلك الأمر الرباني العجيب.

وتكفي إجابة القرآن الكريم الشافية الكافية الوافية:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. 85 – الإسراء.

وسبحان الله العظيم وبحمده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد