فيما تحاول رئيس الوزراء البريطانية «تيريزا ماي» جاهدة احتواء الآثار الاقتصادية الناجمة عن اختيار الشعب البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء الـBrexit الذي أجري في يونيو الماضي، ومع جولاتها المكوكية حول العالم لإجراء اتفاقيات تجارية تضمن ثبات اقتصاد المملكة، والحفاظ على معدلات بطالة منخفضة، خرج علينا فيلم «أنا دانيل بليك» I, Daniel Blake الحائز مؤخرًا على جائزة الـBAFTA الإنجليزية المرموقة باعتباره أحسن فيلم في المسابقة، ليحكي قصة المعاناة الصادمة التي تعانيها شريحة ليست بالهينة من المجتمع البريطاني تحاول جاهدة التمسك بالحد الأدنى من الدخل الذي يكفل لها حياة كريمة.

الفيلم يحكي عن المواطن البريطاني دانيل بليك – يقوم بدوره الممثل ديف جونز المعروف بأدواره التليفزيونية -، وهو نجار في العقد السادس من العمر يصاب بمرض في القلب يحرمه من العمل الذي يحبه، ويجد نفسه مضطرًا للجوء للمعونة الحكومية قبل أن يكتشف أنه دخل في دوامة بيروقراطية لا ترحم، فمن جهة تماطل الهيئة الطبية المشرفة على تشخيص علاجه في إعطائه شهادة بعدم قدرته الباتة على العمل، ومن جهة أخرى تشترط هيئة المعونة عليه أن يقوم بالبحث عن عمل آخر حتى يستطيع الحصول على معونة لحين البت في حالته الصحية، أو لحين إيجاد وظيفة تناسب حالته الصحية، أيهما أسبق.

 

مواطن مثالي في ظروف غير مثالية

في هذا الوقت يحاول الرجل اللطيف دمث الخلق الذي يمثل الطبقة الوسطى البريطانية تجاوز مصيبة فقده لزوجته المريضة التي توفيت مؤخرًا، بعد أن قضى سنوات في رعايتها والإنفاق عليها من دخله الشهري – الذي لا يمتلك غيره – حتى النفس الأخير. تاركة الرجل دون أولاد يساعدونه، أو دون ثروة تسانده في أي ظرف طارئ قد يحل به.

يقضي الرجل أيامه في متابعة حالته الصحية في المستشفى ومحاولة الحصول لشهادة تفيد بعدم أهليته للعمل، وأيضًا في الذهاب إلى هيئة الإعانة، التي يديرها موظفون بيروقراطيون أشبه بالروبوتات، لا يبدون تعاطفًا مع أوئلك المواطنين الذين قست عليهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية، يهددون الجميع بعقوبات قاسية إذا لم ينصاعوا لشروط الإعانة المرهقة والصارمة، التي يتحكم فيها شخص مجهول يسمونه «صانع القرار» The Decision Maker، وهو رمز أراد به مخرج الفيلم «كين لوتش» الإشارة إلى السلطة الشمولية للدولة التي لا ترحم حتى ولو كانت من أعرق الديمقراطيات في العالم، ومن يُبدِ من الموظفين تعاطفًا أو تفهمًا مع المواطنين البائسين يتم تحذيره من قبل رؤسائه بطريقة لا تقل قسوة.

يتقاطع مسار بليك مع مسار شخصية أخرى مسكينة، هي «كيتي» – الممثلة هايلي سكوايرز -، أم شابة لطفلين أتت متأخرة عن موعدها المحدد مع هيئة الإعانة، ليرفض الموظفون بقسوة استقبالها وتلقي طلبها، يحاول بليك الدفاع عن حقها في التواجد بالمكان حتى الحصول على الخدمة الخاصة بها، فيتم تهديده هو الآخر بطرده خارج المكان، ليجد نفسه في النهاية معها متجولًا في الطريق بصحبة طفليها الصغيرين «ديزي» و«ديلان». وعلى الرغم من وضعه الصعب إلا أن روحه الجميلة التي تنزع لمساعدة الآخرين وإبداء الشفقة ناحيتهم تجعله ينسى مشاكله للحظة ويحاول طمأنة المرأة المسكينة ومساعدتها.

يفهم أن المرأة فقدت زوجها وأصبحت مسئولة تمامًا عن الطفلين، وما زاد الطينة بلة أن صاحب المسكن الذي كانت تقيم فيه طردها منه، لتجد نفسها ملقاة مع أولادها على قارعة الطريق ولا تجد أمامها سوى هيئة الإعانة، التي خصصت لها مسكنًا متواضعًا للغاية ولكن في مدينة أخرى، هي تلك التي يقيم فيها دانيل بليك، ولذلك تأخرت المرأة على الحضور لمقر هيئة الإعانة، وذلك لأنها غريبة على المدينة ولم تتواءم مع الشوارع والاتجاهات والأماكن بعد.

 

رحلة صورية للبحث عن عمل

يجد بليك بعض السلوى في تعرفه على كيتي وأولادها، ويساعدهم في إعداد منزلهم – الذي استلموه في حالة يرثى لها -، ولأنه بارع في الأعمال اليدوية، فقد أخذ على عاتقه القيام بجميع تصليحات المنزل فيما يخص السباكة والنجارة والكهرباء دون الحصول على أجر. كانت تكفيه ابتسامة أطفال كيتي، وشعور كيتي نفسها بالامتنان. كان الوقت يمضي بسرعة على كيتي ودانيل، ولا تزال رحلة الحصول على الإعانة طويلة وشاقة، تنفد نقود الاثنين فيضطر بليك بيع قطع من أثاث بيته على مراحل، فيما تقوم كيتي بحرمان نفسها من الطعام لتوفره لأطفالها، لدرجة أنها تفقد وعيها يومًا ما من الإعياء.

تطلب الهيئة من بليك حضور ورشة عمل ليتعلم كيفية كتابة سيرته الذاتية، وتطلب منه إدخال سيرة ذاتية إلكترونية على أحد المواقع الإلكترونية الحكومية، وترهن حصوله على الإعانة بقيامه بالبحث عن عمل وتوزيع نسخ من سيرته الذاتية على أصحاب الأعمال. وعبر سلسلة من مشاهد الكوميديا السوداء يقوم الرجل – المفترض أنه مريض – بحضور الورشة العبثية، ومحاولة تعلم الكمبيوتر لأول مرة في حياته، وكذلك المرور على ورش ومصانع لمجرد توزيع نسخ من سيرته الذاتية.

في نفس الوقت تحاول كيتي إطعام أولادها عبر الذهاب لمؤسسة خيرية أشبه ببنك للطعام، وهناك تنهار عندما تضع في فمها أول لقمة من طعام تتناوله منذ أيام. وفي وقت آخر تحتاج لفوط نسائية صحية، ولأنها لا تمتلك المال تخفي بعض تلك الفوط في حقيبتها على أمل ألا يلاحظها العاملون في السوبرماركت.

أنا دانيل بليك

الفيلم كئيب وسوداوي للغاية، ويرصد رحلة السقوط من حالق لاثنين ينتميان للطبقة المتوسطة، يفقدان فيها احترامهم لأنفسهم، ويفقدان شعورهم بالكرامة وإحساسهم بالأمان، لدرجة أن كيتي – التي تدرس أصلًا في الجامعة على أمل أن تلتحق بوظيفة كريمة لاحقًا – يحاول أحد الأشخاص إلحاقها بالعمل ببيت للدعارة، لأنه لا يوجد أمامها فرصة لأي عمل آخر وسط الحال الاقتصادي المزري. أما بليك فكان يراقب جاره الشاب الأسمر «تشينا» الذي يكسب رزقه من تهريب البضائع من الصين إلى بريطانيا، ليقوم ببيعها على الأرصفة بنصف ثمن مثيلاتها الموجودة في المتاجر، في مشهد يذكرك تمامًا بمشهد الباعة الجائلين في ميداني رمسيس والعتبة. لا يكاد بليك يصدق أنه لم يعد في إمكانه كسب رزقه من عمل محترم كما اعتاد من قبل، ولا يكاد يصدق أيضًا أن بعد كل تلك السنوات في خدمة المجتمع وفي تقديم التزاماته كاملة للدولة من ضرائب وخلافه، فلا تعامله الدولة بنفس القدر من المسئولية والالتزام.

يقف بليك في مشهد أيقوني وسط هيئة الإعانة ويصرخ وقد بلغ به نفاد الصبر مبلغه، يصيح في الموظفين: أنا مواطن، لي كرامة، من أنتم؟ – يصرخ غير مصدق أن هؤلاء يمثلون الدولة ومكررًا – من أنتم؟ وعندما لا يجد أي استجابة منهم، ينصرف خارج المبنى ويكتب «مانيفستو» خاصًّا به على الحائط باستخدام سبراي الجرافيتي، يبدأ في كتابة بيان إنساني عظيم يبدؤه بعبارة «أنا دانيل بليك» يخرج فيه كل ما يعتمل في صدره من أثر الظلم والقهر والمهانة، ويخبر الجميع أنهم حتى لو مسحوا كلامه فإنه سيحضر كل يوم ليكتب ذلك البيان من جديد، حتى يحصل على حقه.

ويمضي الفيلم حتى نهايته وبليك يكافح من أجل الحصول على هذا الحق؛ لكن الثمن الذي يدفعه يكتشف المشاهد أنه سيكون غاية في الفداحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد