«أنا لا أسمع صوت الشعب السوري، أسمع فقط صوت السياسيين، نحن بحاجة لسماع صوت السوريين»، هي آخر ما صدر عن دي ميستورا من عبارات، قالها في معرض رده على المتنمر بشار الجعفري ممثل نظام الأسد إلى حوار جنيف، حيث قال أيضًا: «اتفاق وقف الأعمال العدائية ما يزال متماسكًا لكن المساعدات ووقف العمليات القتالية لن يستمرا دون تقدم في عملية الانتقال السياسي».

ما استفز الثعلب دي ميستورا المعروف بهدوئه، هو رد الجعفري على سؤال له حول رؤيته للمرحلة الانتقالية وذلك بقوله: «من المبكر الحديث عنها»، وهو ما دفع دي ميستورا للرد على الجعفري بالقول: «إنه لا توجد خطط بديلة عن المفاوضات الجارية في جنيف، وأن الانتقال السياسي هو القضية الأساسية».

بعد خمس سنين، وبعد كل ما ارتكب من جرائم بحق الشعب السوري يبدو أنه فعلًا، ما زال من المبكر الحديث عن مرحلة انتقالية، لأن هكذا حديث وبحسب الجعفري يتعرض لمقام الرئاسة الأسدية السامي. هي مرحلة انتقالية لا أكثر ولا أقل وستسمح ببقاء النظام على رأس هرم السلطة مع إضافة بعض الرتوش، ومع ذلك فمن المبكر الحديث عنها.

من حق الجعفري أن يقول ما قال، فهو يعلم علم اليقين أن ساعة سيده لم تحن بعد، وعليه فلا بد من اللعب على الألفاظ واستنفاذ كامل الوقت المتاح، ربما على أمل تحقيق «نصر الربع ساعة الأخيرة» الذي تحدث عنه أمين عام حزب الله قبل أكثر من عامين، لهذا فمن المبكر الحديث عن مسألة انتقال السلطة، فالحديث يجب أن ينحصر في كيفية تقديم بعض الفتات للمعارضة وزجها في مواجهة الإرهاب، هذا الإرهاب الذي كان الشماعة التي يُقتل باسمها شعبا العراق وسوريا، ومنعت باسمه شعوب المنطقة من تغيير أنظمتها القمعية بشكل سلمي حضاري.

دي ميستورا يريد أن يسمع صوت السوريين، فهو لم يسمع صوت هدير الطائرات ولا الدبابات، ولا أصوات البراميل المتفجرة، والصواريخ العابرة للقارات، ولم يسمع عن مجازر الكيميائي، وهو بالطبع لم يشاهد أي صور لأشلاء الشهداء أو دمار وخراب ثلاثة أرباع سوريا، هو كذلك لم يسمع يومًا عن مظاهرات سلمية أو هتافات بإسقاط نظام الأسد، ولا عن حناجر وأظافر اقتلعتها أجهزة مخابرات الأسد، هو فقط سمعها اليوم بعد اجتماعه بوفد من 25 سوريًّا التقاهم في جنيف على هامش المفاوضات.

دي ميستورا لم يسمع منكم أيها السوريون، فمالكم لا تنطقون، ولم أنتم صامتون صمت القبور، أَسمَعتُم العالم الذي صم أذنيه عن صوتكم، أفعجزتم عن إسماع هذا الرجل شيئًا من هذا الصوت؟ أنا لا ألومه، بل ألوم من قتل، فقد كان على المقتول أن يتصل بالمبعوث فيخبره بموته، وكان على تلك الحرة التي اغتصبت أن تصرخ وتسمع ميستورا بهتك عرضها؟ هو لم يعلم بمقتل أكثر من مليون سوري؛ فقد تجمدت إحصائيات أممه المتحدة عند الرقم 225 ألفًا فقط!

أيُ سوريينَ هؤلاء الذين يريد أن يسمع دي ميستورا صوتهم؟ هل هم الإيرانيون ام أشياعهم من العراقيين واللبنانيين والأفغانيين والباكستانيين؟ أم جيش روسيا؟ أم ربما حزب العمال الكردستاني وكانتون صالح مسلم «روج آفا» أم وفد مصالحة «قاعدة حميميم العسكرية» بمشايخها وعاهراتها؟ أم ربما يريد أن يسمع صوت المؤيدين؟ أم لعله يطلب مظاهرات تخرج هاتفة بحياة المخلص دي ميستورا؟ لم لا فهذا زمن قد نرى فيه العنقاء واقعًا والخل الوفي حقيقة.

في جنيف وبالتوازي مع الحوار المنعقد بين نظام الأسد ومعارضته تجمهر بضع أشخاص من مرافقي وأقرباء وأصدقاء الوفد المحاور يرفعون أعلام الثورة معلنين عن تأييدهم ووقوفهم إلى جانب جيش المعارضة ضد وفد نظام الأسد في موقعة فنادق ومنتجعات جنيف «المصيرية»، لتخرج علينا في نفس الوقت مظاهرات فيسبوكية عديدة تمجد الوفد المفاوض، وتعدد مناقبه وتلهج له بالدعاء، وتطلب له من الله التوفيق.

بماذا أنتم فرحون؟ وعلامَ تهللون؟ لباعة الدماء تصفقون؟ هل علمتم أن هذا هو بالضبط ما يطلبه دي ميستورا؟ وهل خطر لكم أنكم بهذا التهليل والتمجيد تخفضون سقف المطالب المنخفضة أساسًا؟ فمن المجلس الوطني، إلى إتلاف الثورة، فهيئة الحوار، ثلاثة تشكيلات تم فرضها على شعبنا، الذي طلقها ثلاث طلقات بائنات وعلى المذاهب الأربعة، لكن مرجعيات ومشيخات الفصائل المشاركة في حوار جنيف مع نظام الأسد وجدت للطلاق فتوى تبيح الرجوع رغم كل التسويف الذي مارسه المجتمع الدولي وحمايته لنظام الأسد الذي استمر في قتل السوريين مستعينًا بإيران وروسيا.

قرابتك لأحد أعضاء وفد الحوار، أو انتماؤك لحزب أو تيار أو فصيل مشارك في المفاوضات لا يعطيك الحق بتبرير المهزلة، ولا تمرير الخيانة، فهذا مصير وطن وأمة، وليس سلعة تباع اليوم لتشترى غدًا، فكرمى لدماء من ضحى، وحرمة أعراض انتهكت وأموال نهبت، أسمعوا دي ميستورا ما يجب أن يسمع لا ما يحب سماعه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد