في البداية بدأ الأمر وكأنه مزحة؛ في الليلة السابقة لأحداث 25 يناير (كانون الثاني)؛ كنت أقف في شرفة منزلي بالدور الأرضي أتحدث مع أحد أصدقائي المقربين جدًا؛ وحين أكد لي أنهم -هو وباقي أصدقائنا- سيقضون الليل بين طرقات شوارع القاهرة؛ حتى «يلحقوا الثورة من أولها» كما قال بالضبط؛ ضحكنا وانتهى اليوم على هذا.

من خبرتي فيما يخص السياسة والثوار بمصر؛ ومن تجربتي في المراقبة على الانتخابات في عام 2005، وانضمامي إلى حركة «شايفنكم» بجانب عملي في الجمعية الأفرومصرية لحقوق الإنسان، تعلمت درسًا مهمًا؛ وهو أن عدد من يصلح أن نطلق عليهم «ثوار»؛ لا يكفي بأن يقوم بثورة، وكل المظاهرات التي شاركت فيها سواء بخصوص استقلال القضاء أو للمطالبة بالإفراج عن أحد النشطاء المقبوض عليهم؛ كان يكفيها 10 من رجال الأمن حتى ينهوا تلك المظاهرة ويشتتوا المشاركين فيها.

ولذلك حين شاهدت أعداد المتظاهرين على شاشة التلفزيون في ظهيرة 25 يناير؛ أدركت أن هناك أمرًا جللاً يحدث، تلك الأعداد من المتظاهرين لم أرها من قبل نهائيًا بشكل حي، ربما في فيلم قديم يحكي عن ثورات من التاريخ؛ ولذلك تملكني الحماس، وكنت على وشك التفكير بالمشاركة، لم يكن لدي أي أمل أن تلك الأحداث ستحدث أي تغييرات جوهرية، ولكن وبصراحة شديدة؛ شعرت أنها تجربة أحب خوضها، ولكن قبل أن أتخذ قراري وصلتني المعلومات عن القبض على مجموعة من أقرب أصدقائي، وقضيت اليوم الأول والثاني من أحداث 25 يناير بين أقسام الشرطة والنيابة حتى أفرج عنهم.

لم أكن بتلك الشجاعة التي تجعلني أرى أصدقائي وهم مقبوض عليهم، ثم أقرر أن أخطو خطاهم؛ كلا لم أكن بتلك الشجاعة أبدًا، ضِف إلى هذا شعوري المتأصل في قلبي أنه ليس هناك أي أمل في تغيير جذري لمصر، هو فقط أمر ادركته حين اقتربت بشكل شخصي من عمالقة يقال عنهم إنهم أهم ثوار في مصر؛ واكتشفت أنهم ليس سوى أشخاص يبحثون عن مصلحتهم المادية والمهنية قبل أي شيء.

ولذلك لم أشارك نهائيًا في أحداث 25 يناير، كنت ضمن حزب «الكنبة» كما أطلق علينا بعضهم، وكما سخر مني أصدقائي، ولكني كنت قد وصلت إلى مرحلة من عمري؛ لا تجعلني أقدم على تصرف لأرضي من حولي، ولذلك كنت أبتسم وأقول لهم نعم أنا سلبية وحزب «كنبة»، ولكن هذا لم يوقفهم، خسرت بعض أصدقائي الذين ظنوا أني خائنة، وبعضهم الذي صرح بذلك في وجهي بالفعل، آخرون نظروا إلي بحسرة وهم يؤكدون أن «فاتني نصف عمري» أنني لم أشارك في تلك التجربة النبيلة، وأني لم أكن جزءًا من وحدة الصفوف في ميدان التحرير، ومن ثم بدأت الأساطير.

رؤيتي لميدان التحرير من الخارج جعلني أتأكد أن التغيير لن يحدث، الرومانسية والمثالية التي شعر بها كل من عاش فترة طويلة في ميدان التحرير جعلتني أدرك أن هناك انفصالاً عن الواقع، المشاعر كانت متأججة، وكل من في ميدان التحرير كانوا ملائكة.

حكايات عن أناس يمنحون الطعام، وآخرون يمنحون الأغطية للتدفئة؛ كان جسدي يقشعر من تلك الحالة الرومانسية الرائعة، ولكن في الوقت نفسه كان قلبي ينقبض؛ لأن الرومانسية لا تغير أنظمة سياسية، وميدان التحرير لم يكن سكانه كلهم من الملائكة، الأمر تطلب مني زيارة واحدة للميدان لأرى ما لا يرونه وغشاوة الرومانسية والحلم على أعينهم، رأيت في الميدان بسهولة شديدة جدًا المصالح المتضاربة، والتي لن تظهر الآن.

الأمر بالنسبة لي كان أشبه بالتالي، عصابات تنضم لثوار يريدون إسقاط النظام، ولكن بعد إسقاط النظام؛ من الذي سيتولى زمام الأمور؟ هذا السؤال لا يحتاج عبقريًا للإجابة عنه.

بعد مرور كل تلك الأعوام، وفي كل أمسية نخطفها من دوامة العمل والحياة؛ نجلس نحن الأربعة، أنا وأصدقائي الثلاثة الأقرب إلى قلبي، والذين شاركوا في ثورة يناير بكل جوارحهم وكل حب ورومانسية، وفي نهاية كل أمسية، دون استثناء؛ تبدأ فقرة البكاء على الأطلال، يريني حمزة بواقي الرصاصة التي يعلقها في صدره، ويتذكر صديقه الذي قتل جواره ويبكي، تحكي شيماء عن اليوم الذي فتحت المتاجر أبوابها للثوار حتى يختبئوا ويحتموا فيها وتبكي، يتمالك إسلام نفسه ويؤكد لي أنها كانت تجربة لا تنسى، ولكن في النهاية؛ ما أسمعه من كل أصدقائي، حتى من قاطعوني وقتها؛ يؤكد أنني كنت محظوظة بعدم المشاركة، وهذا ما أراه حقيقيًا بالفعل.

الحالة التي وصل إليها أصدقائي من اكتئاب وإحباط وهجرة وفقدان الأمل بسبب ما وصلت إليه الأمور الآن في مصر؛ تشعرني أنني محظوظة بالفعل أنني لم أشارك في تلك التجربة، وأني اكتشفت كواليس العمل السياسي في مصر منذ عام 2006، ومن يومها قررت ألا أنخرط في أي شيء يخص السياسة، حتى في عملي، أقسمت ألا أتخصص في هذا العمل، لم يكن قرارًا سهلاً في البداية، ولكنه مع الوقت تحول إلى نعمة وراحة بال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد