عُلمنا منذ مهد الطفولة الأولى، أن أول ما خلق الله هو القلم، تربينا على أنه أداة مُقدسة لا يُخط بها إلا كل نفيس، ولا ينُشر لها إلا لكونها صاحبة فكر ورؤية وبديع، لم تكن الكتابة حرفة وأداة لشهرة وجمع مال، كان على الكاتب أن بتكبد مشاق وويلات ليجد كُتيبا له مصطفا في رُكن منزوٍ بين منزهات الكُتب، ولتقبل به دار نشر مهما صغر شأنها، هناك كان القلم أداة الله المقدسة واستحق على ضآلة حجمه وسهولة تداوله ذلك التوقير وتلك المهابة.

 

أما الآن فقد اختلف الأمر، كبرنا وعُلمنا جدلية العرش والقلم، كفرنا بجدواه وآمنّا بجدوى المال، آمنّا أن الكتابة هي الوسيلة الأسرع لكسب المال، وأن كونك صاحب دار نشر تُعنى بالغث من الحديث وتهتم بما لا يحمل بين طياته معنى أو قيمة، هو امتلاك لكنز صغير، سيصطف أمامك القراء المزعومون، ويتدفق عليك المال من كل حدب وصوب.

 

القلم والأدب

على مر العصور كانت وظيفة القلم الأولى الأدب والبديع وإظهار الجمال، وأما الآن بُدلت الأحوال وغيرت الوظائف، يقول الرافعي فى كتابه وحي القلم:

“قد انتهينا في الأدب إلى نهاية صحافية عجيبة، فأصبح كل من يكتب يُنشر له، وكل من نُشر له يعد نفسه أديبًا”.

أما نحن لم ينتهِ بنا الحال إلى تلك النهاية العجيبة بل انتهى إلى هو أعجب وأدعى للسخرية والحسرة، أصبح كل من يستطيع أن يصل بحسابه في أحد مواقع التواصل الاجتماعى إلى قاعدة عريضة من المراهقين وأن يسطر ما يعجبهم هو من يُنشر له، لكنه لا يُعَرِّف نفسه أديبًا بل يتنصل من هذا الأمر كأنه جُرم عليه دحضه.

ما بين اليوم والليلة تجد شخصًا بزغ فجره، وتهافتت عليه الإعجابات، وبيع من كتابه ما يفوق مبيعات دور النشر التي تهتم بالأدب والفكر والجمال مجتمعة معًا، وكأن صنعة الأدب جُردت من معناها وتلبست معنى آخر يحمل أي معنًى غير الأدب.

 

ضيع القلم العربية

أصبحت العامية هي لغة القلم الرسمية، وهي المُفضلة لدى الكُتاب ودور النشر على حد سواء، نبذنا الفصحى ونحيناها جانبًا ثم ونحن في طريق عودتنا نسينا التقاطها مرة أخرى.

كان القلم هو الوسيلة الأخيرة لحفظ اللغة، وكانت مُطالعة كتاب على ركاكة نظمه وسوء ما يعرض، كفيلة بإثراء لغتك وزيادة مفرداتك، كنا دائمًا ما نفخر بأن الكُتاب هم حُفاظ اللغة والقلم هو وسيلتهم.

الآن نكتب كما ننطق لا نُراعي أبسط قواعد اللغة، نستعيض بالأعجمي عن العربي، ونكتب بالعامية لنجذب المال جذبًا بدعوى جذب القراء، يبدو أن القلم انفصل عن الفصحى فتشردنا نحن، وضاع ركن حصين من أركان هُويتنا.

 

كَذَبَ القلمُ

أما طامة القلم الكبرى تكمن في كونه وسيلة المنتصر لتدوين انتصاره، فيكذب ويُحرف كيفما شاء، يشوه الخصم ويُضفي عليه مسحة من الوحشية والطغيان، ويُظهره كما لو كان منزها عن الأخطاء، لا يسطُر إلا ما يُزينه ويأبى أن يكتب الحقائق فيكون هو أداة الزيف والبهتان.

يَكتب التاريخ كذبًا ويمحو الوقائع ويتودد إلى السلطان بنعته بما ليس فيه وإزهاق حسن معارضيه، كأنه وسيلة شيطانية -لا نورانية- خُلقت لتُضلل وتمحو الحق.

ولما قل الاعتماد على النقل مشافهة، وأصبحت الأخبار والأحداث تنقل إلينا كتابةً، وأصبح النتاج الأدبي والعلمي والثقافي ينقل من جيل إلى جيل مطبوعا لا مسموعا أصبح القلم حلقة أكيدة ومتينة من حلقات الوصل بين الأجيال المتتابعة، إذًا كوننا سلمنا أقلامنا لمن لا يستحقها ودفعنا بجُهالنا إلى دور النشر ومعارض الكتب هو إفقاد لجيلنا معناه وتفريغه من محتواه وإيهام القادمين بإننا جيل تافه لم يحمل أي معنًى أو قيمة.

وما دام القلم في غير يد أصحابه وأداة للعابثين ومرتع لللاهين، علينا أن نعلنها صراحة لقد كفرنا بالقلم بعد خالص إيمان!!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القلم, الكتابة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد