رمضان قد أقبل وما زالت القلوب تائهة والعقول شاردة وما زالت الأبدان قائمة بالعبادة بلا روح، أصبحنا نستشعر العبادة بأنها ذلك الروتين اليومي الممل الذي أصبح الكثير يتحامل على نفسه للقيام به، بل إن هناك فئة ليست بالقليلة تترك ذلك الروتين بزعم أنه لا يفيدها بل إنه يأخذ منها الكثير من الوقت فعليها أن تفعل مكانه شيئًا جديدًا، فالصلاة أصبح الكثير من المسلمين يقومون بها ليرتاحوا منها وليس ليرتاحوا بها، نعم ذلك هو الحال الآن في مجتمعاتنا الإسلامية، لذلك القلوب تشتكي دائمًا وأبدًا والعقول شاردة.

هناك شيء ناقص تفقده تلك الطبيعة البشرية التي أوجدنا الله عليها، فالقلب ذلك المخلوق على حب الله، فطرته هي حب الخالق سبحانه وتعالى ولذلك لن يكف عن الشكوى والتعب ما دام بعيدًا عن الله سبحانه وتعالى وما دمت أنت تقرأ القرآن مسرعًا غير منتظر حتى يستشعر ذلك القلب الحزين معاني الآيات، فذلك القلب سيظل عطشانًا يتأوه حتى تسقيه بحب الله ويزهر بذكره سبحانه وتعالى.

كيف نستشعر لذة الطاعة وكيف السبيل إلى الوصال؟ هذا سؤال يحتاج إلى استشفاف ما الذي أعرفه عن الله، وكيف أحب وأعبد بقلب خاشع، وما دمت لا أعرف عن المحبوب والمعبود شيئًا فذلك هو أول سبب لتعب القلب وحيرة العقل، هو عدم معرفة الخالق سبحانه وتعالى متناسين أن الله سبحانه وتعالى يفهم تمامًا طبيعة البشر ويفهم تمامًا أن عبادته السليمة لن تصلح إلا بالتفكر والتأمل، ولذلك نصحنا وأمرنا في كثير من آياته بأن تفكروا يا أولي الألباب، فكلما تفكرت و قرأت  فهمت وعلمت عن الله سبحانه وتعالى وتقربت منه سبحانه وتعالى، كلما عرفت أن الله أقرب إلينا من حبل الوريد وأن الله أحن علينا من أمهاتنا، ففي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (إنى لأجدني أستحيي من عبدي يرفع إلى يديه يقول يارب يارب فأردهما فتقول الملائكة: إلى هنا إنه ليس أهلًا لتغفر له فأقول: ولكني أهل التقوى وأهل المغفرة، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي).

ما أعظم عفو الله وغفرانه أيها العبد، إن الله يحبك حبًا لو تعلمه لاستحييت أن تعصيه، سبحانه ربي حين يقول في الحديث القدسي: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إليّ صاعد، أتودد إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم! ويتبغضون إلىّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إلى، أهل ذكري أهل مجالستي، من أراد أن يجالسني فليذكرني، أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إلى فأنا حبيبهم، وإن أبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب، من أتاني منهم تائبًا تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، أقول له: أين تذهب؟ ألك رب سواي، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة عندي بمثلها وأعفو، وعزتي وجلالي لو استغفروني منها لغفرتها لهم).

فلا تسمعوا لمن لا يردد سوى أن الله شديد العقاب، لا أنكر ذلك فالله شديد العقاب ولكنه غفور رحيم كريم عظيم رؤوف حليم، فالقلب يقبل على من يحبه وليس على من يخافه ولا ننسى أن رحمة الله قد وسعت كل شيء.

اعرفوا الله وأحبوه لكي ترتاح تلك القلوب التي أتعبتها المعاصي والبعد عن خالقها، أحبوه لكي تستشعروا عبارة أحد السلف: ما صليت صلاة إلا واشتقت لما بعدها.

فالآن علينا أن نستقبل رمضان بقلوبنا، لا يهم أن تختم القران بتلك السرعة بل عليك أن تقرأه ولو صفحة كل يوم بتفهم، بلمس لمعاني الآيات، بتطبيقها على نفسك، اقرأ معها تفسير تلك الآيات، اعرفوا الله أكثر بالأحاديث القدسية وبأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، تعلموا من حياته صلى الله عليه وسلم، اعقدوا نية التفقه في الدين، ابحثوا كما لو أنكم غير مسلمين حتى تكون مؤمنًا قويًا لا تزعزعه الأيام، لا لأن ديننا ورثناه وهذا ما جعلنا لا نستشعر القيمة الثمينة لذلك الدين العظيم الذي ارتضاه الله لنا.

اعرفوا الله فسعادة الدنيا بالقرب من الله سبحانه وتعالى، وسعادة الآخره بالنظر إلى وجهه الكريم، وما لذة رمضان إلا في الإقبال على الطاعة بالقلوب قبل الأبدان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد