تنوشني رماحُ ذلك الرجل الأديب، وتتهدفني سهام قِسيّ كلماته الرنانة حتى لا أجد محيدًا من أسرها، ولا مناص وما من محيص، فأين إلى أين المفر؟! ذلك ما لا أراه جديدًا وبدعًا من القول عن المازني الأديب، الذي جعل خبرة الحياة في رأسه وعركها عرك الأديب الخرّيت، والإنسان النقي، والشاعر بالقوة والفعل، فما عساني أن أفيد فوقه أو أزيد عليه؟

كتب في «أحاديثه» عن دروسه من الحياة؛ فصادف قلبًا فيّ منتبهًا يقظًا لرجع كلماته وصدى حروفه إذ كنت أحدث النفس بها الأمس واليوم، وسأغنيها غدًا، وأتراقص عليها بعد غد. أعبثيةٌ هي الحياة لا تحمل محمل الجِد؟ ذلك سؤالي، وعنه جواب صديقي كان. أما المازني فيقول: «علمتني الحياة أن أعد نفسي وأعد الناس أطفالًا أغرارًا عبثهم أكثر من جدهم ومطالبهم فوق قدرتهم وعقلهم دون إحساسهم أو أهوائهم وجدهم أبعث على الضحك من لهوهم».

فهل هذا حقًا ما علمَتْنيه الحياة؟ حتى الآن نعم، فأنا الطفل الكبير ما زلتُ في تمهيدية الحياة وحضّانة الفكر أرسم ما أعقله وأسطر ما أفقهه ثم أمحوه غدًا أو بعد غد، فهل تراه باطلًا في ذاته أم في رؤية النفس الإنسانية الناقصة له؟، لا أدري. حتى الآن نعم، فهؤلاء من حولي أصحاب وإخوة رجال ونساء ما زالوا يستبقون جيفة الحياة ويتركون النفع رهوًا، ويُهرعون إلى ضغث حلم لم يصح فيه سوى لونين أبيض وأسود، إلا أن القلب يتشهى والنفس تريد والعين تصدقهما معا أو تكذبهما معًا، فترى بهما وتعمى بهما؛ فيكون الأحمرُ والأزرقُ والأصفرُ، فهل تراه حقًّا أسود وأبيض حسبُ أم القلب أصدق والنفس أقدر؟، لا أدري.

وها هو ذا صديقي الألمعي – دون ألمعية المازني؛ فالثاني في باب الأدب والفكر والثقافة، والأول في باب السذاجة والسخرية والنكتة –  يقول لي إذا ما تماجن أحدهم أو اقتتل مع شِبهه أو انحرف في درك سحيق من السوء والهُجر: «دعهم فالأطفال أحباب الله». فلله درّك يا صديقي! كيف أصبحت مازنيًا في عقلك؟! ثم في نظر المازني إلى تخليد الناس أفكارَهم، واستعباد الآن ما مضى وما يكون وما سوف يكون، كأنّ عقارب الساعة لقيت حتفها، وكأنْ كبش الموت ذبح فلا موت، يقول: «كل شيء يمضي وإن خُيّل في وقته أنه سرمد». نعم، تلك هي الحكمة الدهمائية العجيبة «كله بيعدي»، وما أحلاها! ولكن هل حقًّا تمضي، وإن مضت فلا تعود،  وإن عادت أتستبدل بها غيرها أم تعود هي إياها؟ أم أن الحياة كلها ليست إلا تلك اللحظة يعيشها كل أحد وإن خيلت لهم أعينهم اختلافًا وألوانًا فموهت وانماهت، حتى تراها غائمة لا تكاد تستبين، إلا لحظة كشف الغطاء والبصر الحديد؟ فلا أدري.

أما في باب المحاسبة والأخذ بأكظام الروح وشجاعة المواجهة، فيقول أديبنا: «وتعلمت من أجل ذلك كله أن أحاسب نفسي وأنصب لها الميزان؛ أنفة من الغرور المضحك وزهادة في مغالطة النفس وإيثار المواجهة، وأفادني ذلك أن صرت لا يكربني أو يثقل عليّ سوء رأي الناس فيّ، لأن رأيي في نفسي أسوأ وميزاني لها أدق وأضبط». ذلكم المازني نفسه، تروه جلدَ ذات أم غرورَ مراء، وإن أنكر واستنكر، يدب دبيب النمل في روحه وأطرافه حتى يرى نفسه أعظم العظماء بتعرف حقيقته ونشرها سافرة متبجحة لقارئه، أم يكون ظلمًا وغُبنا وتسفلًا للنفس اللوامة الحراقة الأرقة من درجة النفس الآمنة المطمئنة الراضية؟ لا أدري. ذلكم المازني حديث نفسه، فما أراني؟ موافقًا أم مخالفًا أم مترددًا بعدما أنزلت نفسي في نفسه إن كانت لها منزلًا، فما حقيقة إيماني؟ لا أدري.

وكيف يتحد الجد والعبث في قلب مؤمن وكافر، فما عبّ كافر منها عبًّا إلا بعد إيمان مستحكم بعبث عابث وإن خيل له أنه سرمد. وما كدْحُ المؤمن ونَصَبُه واستهانته بدنياه إلا بعد إيمان مستحكم بحديث خرافتها وسمادير أحداثها، إلا أنه ينظر برؤية قلبه وعين إيمانه إلى وعد آخر بالسرمد. فيا عجب عبثَ المخلوق! تناقض ما لنا إلا السكوت عليه، وأن نعوذ بمولانا من النار.

ويا عُظمَ فصلَ الخالق. «إنه لقول فصل وما هو بالهزل». ثم إني أصبتُ أم أخطأتُ، أجدتُ أم أسأتُ، عييٌّ ما أقول أو فصيح، قلت ما أريد أو لم أقل؟ فلا أدري.

تعبٌ كلها الحياة فما أعْجبُ إلا من راغب في ازدياد. فمتى درى ذلك أبو العلاء، ومتى أدري؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة
عرض التعليقات
تحميل المزيد