كانت في مُنتصف حديثه أمام طلبة من مُختلف الكليات والأعمار في مُدرج الجامعة.

عقيد من الجيش أتى صباحًا كي يُفرغ علينا ما أرادوا له أن يُعلمه لهؤلاء الطلبة أثناء «التربية العسكرية».

لا أعلم ما الفائدة من تلك الفترة التي يقضيها هؤلاء الطلبة إلا شيء واحد، وهو تأهيل للحياة العسكرية داخل الجيش «هكذا أخبرونا».

إذا كان لك أخ في النيابة أو أب في الجيش، من الممكن ألا تذهب إلا يومًا واحدًا، أو ألا تذهب من الأساس، ويُكتب في دفتر حضورك «حضور».

إذا كُنت ممن يتعاطون الحشيش فما عليك إلا أن تُعطي الجنود «حشيشًا» كي يكتبوا اسمك في من أخذ تلك الدورة، هكذا تنتهي منها في فترة قصيرة جدًّا.

أما عن التدريبات، فأكاد أجزم أن ليس لها أدنى فائدة على الإطلاق، إلا أن يُفرضوا سلطتهم عليك.

إن يُريك أنت يا من تملك «المؤهل العالي»، أنك لست شيئًا وأن من يضعون الأوسمة هُم كل شيء، ويفهمون أكثر منك، لكن الحقيقة هم يفهمون «التنفيذ الجيد» للأوامر، يعطوك درسًا في الطاعة العمياء حتى لو كانوا على خطأ.

يدخل العقيد القاعة ونظرة الكبر في أنفه تلاحقه أينما ذهب، ثم يبدأ الحديث في موضوع ما يختاره هو كيفما يشاء، ويبدأ باختيار من يرفع يده للحديث معه، واحدًا تلو الآخر، إلى أن يخبرنا أن نكف عن الأسئلة، وسيقوم هو بالإجابة بالنيابة عنا.

يبدأ في الاسترسال في ذلك الموضوع لمدة دقيقتين بالضبط، ثم ينتقل بشكل عجيب إلى آخر ثم إلى آخر ثم إلى آخر… إلخ، حتى يتوه من يتلقى المحاضرة، وينسى ماذا كان السؤال الأول أو بداية الحديث، وله حق الطالب في النسيان لأنه يحضر تلك المحاضرة بعد ساعتين من المكوث في شمس يوليو الشديدة، تُصبح خلايا مُخه تم التأثير فيها بسبب الأشعة.

لا تستطيع أن تستخلص رد واحد وصريح، وبشكل مُباشر منه بأي شكل من الأشكال دائمًا تتوه.

سأله شاب لماذا يتحكم «العسكر» في الاقتصاد المصري، قبل أن يُكمل كلمة «في» كان قد شاط وفزع من كلمة «عسكر»، فيوبخه بشدة واشتدت أعصابه تجاه الطالب كي لا يقول تلك الكلمة مرة أخرى.

أراد الشاب أن يكمل سؤاله بعد الاعتذار عن تلك الكلمة، فلم يُجاوبه أي إجابة تدل على معنى واضح.

لما يتحكم في الاقتصاد؟! لم يرد.

أخذنا ضمن مواضيع منذ حرب أكتوبر المجيدة، ثم أدخلنا في أسعار الدواء العالمية، ثم في دبابات أمريكية الصنع لما جاءت إلى مصر، ولما وافقت عليها أمريكا، ثم يفتح موضوع آخر.

دائمًا وحتمًا لا نصل إلى أي إجابة تمامًا.

هل تأثير أشعة الشمس والجو الصحراوي والأوامر العسكرية، قد أثر عليهم بعد مكوثهم لمُدة طويلة داخل الحياة العسكرية.

«لماذا لا يُحب المدنيين؟» لما نحن «العامة» غير محبوبين من هؤلاء العسكريين؟

هل حياتهم القاسية «تدريبيًّا وأوامر»، وليست «قاسية ماديًّا»، تجعلهم ينظرون إلينا أننا لسنا بشرًا؟ لمْ نُرهق مثلهم لم يُمارس علينا طقوس الحياة العسكرية؟

أخبرنا من ضمن كلامه في مرة: «ايه رأيكم في التفجيرات اللي بتحصل في تركيا؟».

رد الجميع: «نعم نسمع عنها باستمرار».

أخذ نفس من السيجارة، ثُم قال بنظرة تملؤها الثقة والغباء في آن واحد: «عشان تعرفوا إننا مش ساكتين».

ومضت أعين الحاضرين بانبهار، ولم يرد أحد. وقبل أن يدخل في نقطة أخرى سأله طالب: التفجيرات التي تحدث في تركيا لا تقتل إلا مدنيين، هل المخابرات المصرية ضالعة في تلك التفجيرات؟

صمت لثوانٍ، ثم جاوب إجابة واحدة لا تدل على أي شيء تمامًا: «احنا مبنقتلش مدنيين»، وصمت ثم أكمل حديثه.

ماذا يعني من إثارة تلك النقطة؟ هل هو بذلك الغباء؟ أم يجعل نظرتهم للدولة أنها تفعل المؤامرات والتفجيرات في أي مكان؟ وخاصة تركيا. هل تدعم المخابرات المصرية الأكراد في تركيا؟ هل يفتخر «هذا العقيد» بقتل المدنيين؟

أيضًا الكثير من الأسئلة الشائكة التي يصطادون بها الأغبياء؛ كي يقعوا فريسة سهلة لهم في مراقبة يقوم بها على الأغلب الجنود. مثل: «أنا لا أعتبر حرب أكتوبر نصرًا بأي شكل من الأشكال»، أسلوب إثارة تتبعه أجهزة المخابرات منذ أمد بعيد، غالبًا ما يقع الأغبياء المندفعون فخًّا لتلك الأسئلة.

أو ما رأيك في الجيش المصري؟

أو أن يقوم بالسب في القادة أو الجيش بشكل مثير إلى حد ما، كل ما عليه فقط أن يُخرج ما بداخلك من ما تُكنه في قلبك كرأي أو وجهة نظر أو أن تمقت؛ فتوخى الحذر سواء في الجيش أو في التربية العسكرية من تلك الأسئلة.

إياك وأسئلة الإثارة، فالأغلب تم اصطياده هكذا، رغم أن أغلبهم ليسوا لهم «لا في الطور ولا في الطحين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد