أرسل إلي أحد المتابعين برسالة على موقع التواصل الاجتماعي يسألني فيها عن سبب موقفي السلبي من الرئيس عبد الفتاح السيسي ورفضي للنظام الحاكم في مصر؟!

 ولكي أكون صادقة فلن أتخذ من بعض الإجابات سببًا كأن أقول لأنه غير كفء لمنصب رئيس الجمهورية وإن كانت هذه حقيقة. أو أن أقول لأن مصر تخضع  لسياسة الحاكم الفرد لا المؤسسات تحت حكمه. أو لأنه أهدر المال العام في مشاريع لا طائل منها سوى الدعاية السياسية لشخصه لم تجلب على الدولة إلا مزيدًا من الديون في وقت حرج كان يسترعي توظيف كل الجهود والميزانيات لرأب الصدع الذي أحدثه الحكم العسكري في مصر على مدار 60 عامًا. لن أقول لانتهاك القانون وتسييس القضاء، أو أقول بسبب الاختفاءات القسرية والقبض العشوائي على المعارضة وكل من تسول له نفسه ممارسة نشاط سياسي أو المنافسة على منصب رئيس الجمهورية.

لن أقول لاستهانته غير المسبوقة بالأرض وتنازله عنها في اتفاقيات مهينة ترفع شعار الأرض مقابل الأرز. كذلك لن أقول لفشله في إدارة ملفات كثيرة أهمها ملف نهر النيل وسد النهضة والذي يعلم الله وحده كيف سنتغلب عليه ونحن دولة تعتمد الزراعة فيها على أكثر من 80% من حصة مياه نهر النيل. وأيضًا لن أقول لاستهانته بعقول المصريين وتجنيد خطاب إعلامي ساذج ومدلس لتحقيق أطماعه في كرسي الحكم. لن أقول لأي من هذه الأسباب أنا لا أؤيد عبد الفتاح السيسي لمنصب رئيس الجمهورية.

فقد اتخذت موقفي هذا قبل ذلك بكثير. اتخذته عندما تم الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي في يوليو (تموز) 2013 وسميت الأمور بمسمياتها في الوقت الذي اعتبره كثير من المصريين ثورة شعبية للتخلص من حكم الإخوان المسلمين. لكني اتخذت موقفي عندما شككت في الدعوة المريبة لمؤسسة أمنية كالمؤسسة العسكرية بطلب تفويض من الشعب لمواجهة الاٍرهاب المحتمل وكان الفريق عبد الفتاح السيسي على رأسها وقتها ووزيرًا للدفاع وتساءلت وهل تحتاج المؤسسات الأمنية تصريحًا من الشعب للقيام بواجبها لحماية الوطن ومقدراته؟

ولقد ازداد سخطي على هذا الانقلاب عندما استيقظت صبيحة يوم 14 أغسطس (آب) المشؤوم سنة 2013 على خبر مذبحة ميدان رابعة والتي وما زلت إلى هذا اليوم أعتقد في كون إمكانية فضها بصورة أكثر سلمية. لكن أي سلمية يمكن أن أتحدث عنها تحت وطأة انقلاب عسكري بدأ حكمه بالتخلص من معارضيه بأبشع الوسائل فكان القتل والاعتقال والاختفاء القسري مصيرًا محتومًا. فلم يكن فض رابعة إلا بداية لسلسلة طويلة من الاعتداءات والانتهاكات دفع ولا يزال يدفع ثمن السكوت عنها كثير من أبناء هذا الوطن.

لن أدعي أنني كنت من مؤيدي الرئيس محمد مرسي أو حكم الإخوان المسلمين، فأنا أتبنى مبدأ كفالة حرية الجميع في  اعتناق ما يشاؤون من أفكار وكذلك كفالة حق المواطنة للجميع بصرف النظر عن أي اتجاهات أيديولوجية والذي لا يمكن أن يتحقق تحت ظل حكم ديني.
فكنت بالفعل من مؤيدي التخلص من حكم الإخوان المسلمين وبكل حسن نية ظننت أن ذلك ممكن بنفس الشرعية الثورية التي عزلت الرئيس مبارك كاستحقاق لكل مصري ومصرية شارك وأيد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) المجيدة وأهدافها النبيلة والتي أعتبرها نصرًا وفخرًا للشعب المصري منذ عقود طويلة من الزمن.

لكن ما حدث وآلت إليه الأمور هو ترشح قائد الانقلاب لرئاسة الجمهورية وتوليه المنصب بعد انتخابات صورية في يونيو (حزيران) سنة 2014. وأدركت أن الرئيس مبارك لم يعزل بفعل الثورة وأن الانقلاب الذي عزل الرئيس مرسي لا يختلف كثيرًا عن نظيره الذي عزل مبارك من قبل وأن الشرعية الثورية التي أتحدث عنها لم تتحقق قط.

ولكي أكون أكثر وضوحًا فلست من مؤيدي الحكم العسكري على الإطلاق والذي لا مجال فيه لتداول أو انتقال سلمي لسلطة وقد اطلعنا على نتائجه من خلال واقع مرير وتاريخ أكثر مرارة فالتجربة خير دليل ولا تحتاج إلى إثبات.
ولأني حظيت بفرصة العيش تحت مظلة حكم ديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية قرابة 20 عامًا فأنا أعلم جيدًا ماذا تعني الديمقراطية وما هي فضائلها. فهي نظام يضمن التداول السلمي للسلطة دون عنف أو إراقة دماء. نظام مدني يكفل حقوق المواطنة للجميع على اختلافاتهم ويفرض فيه القانون على الجميع دون تفرقة. نظام يضمن مراقبة للسياسات والسلطات والميزانيات دون توحش سلطة على أخرى أو تسييس لها لصالح جماعة من الأفراد. نظام يحترمه العالم لأن شرعيته نابعة من اختيار حر للشعب فلا مجال لابتزازه أو الضغط عليه لتمرير أي تجاوزات لدعمه. نظام يحمي مصالح الوطن قبل حماية مصالحه وأطماعه للاستمرار في مواقع السلطة فلا مجال لأي استحواذ على سلطة.

نظام يكفل المنافسة النزيهة ووصول المؤهلين والمؤهلين فقط إلى مقاعد السلطة فيتبارون في تقديم الأنظمة الخدمية للشعب كضمان وحيد يمنحهم فرصة التقلد للمناصب – فأنا أؤمن أن وعي الشعوب يعكسه مستوى الخدمات التي تقدم لهم – لقد استوعبت مدى الامتهان الذي يعيشه الشعب المصري تحت قبضة حكم النظام العسكري عندما عاينت الفرق بينه وبين النظام الديمقراطي الذي يتفهم معنى رعاية مصالح الشعب والوطن بصورة حقيقية بعيدًا عن الشعارات الكاذبة.

فعذرًا  سيدي. لا يسع ضميري الوطني تأييد حكم عسكري يكابد أهل وطني تحت قبضته عناءً فوق عناء. فلن أدعم أو أنتخب أي ممثل للمؤسسة العسكرية سواء كان عبد الفتاح السيسي أو أي شخص آخر يقوم بتمثيلها وبالمناسبة هذا النظام لا ينتظر تأييدًا من أحد لأنه سوف يقبع على الأنفاس شئنا أم أبينا. لكنني سوف أظل أتطلع إلى اليوم الذي ينعم فيه هذا الوطن المنهك بديمقراطية حقيقية وانتخابات نزيهة بين سياسيين مدنيين في ظل حماية دستور يحترم ويكفل كرامة لهذا الشعب المثقل بالأعباء والهموم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات