رجل طموح، دون حب، إنسان ميت ـ رجل، دون طموح، إنسان ميت،  لكن رجلا طموحا مع حب فهو أسعد من على هذه الأرض.   بيرل يبلي

إن تحقيق الأحلام، وبلوغ الغايات، واعتلاء القمم والدرجات، ليست بالأمر اليسير، ولا الهدية المجانية، ولكن تحتاج إلى عزيمة فولاذية وهمة عالية وخاطر لا يكسر، النجاح ككل القيم في هذه الحياة يحتاج إلى عناصر ومقومات؛ حتى تكتمل المعادلة المنشودة ويتحقق الهدف، والحقيقة العلمية المثبتة أن القدرات التي أودعها الله – عز وجل – في الإنسان غير محدودة، و بها كرم هذا المخلوق عن جميع خلق الله تعالى.

الإنسان لا يدرك ما يحمله من قدرات، وثروات؛ لأنه لا يقرأ، ولا يبحث في تركيبته، ونظامه الخارق، والذي يعتبر برهانا قويا على عظمة الله لهذا خاطب الله العباد فقال: «و في أنفسكم أفلا تبصرون»، يقول صاحب كتاب: «قوة عقلك الباطن» الدكتور جوزيف مارتي: «شاهدت الكثير من المعجزات تحدث للرجال والنساء من جميع الطبقات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم، وسوف تحدث لك أيضا معجزات، عندما تبدأ في استغلال القوة الرهيبة لعقلك الباطن»، إن هذا العقل هو سر التغيير في حياة الناس، بل هو مفتاح التحول الذي شهدته البشرية عبر المراحل الطويلة من مسيرتها الحافلة، ويمكنك استقراء حركة الحضارات بين الأمم، والتحول الجذري الذي حدث فيها، ولاشك أن الفارق هو العقل، كان سائدا في الخمسنيات أننا نستخدم 50% من قدراتنا العقلية، وفي الستينات قالوا: إننا نستخدم 20% ، وفي التسعينيات تدنت النسبة لتصل 1% من استعمالاتنا لقدراتنا العقلية، وللأسف فإننا نجتهد؛ لكي لا نقوم بالكثير من الأشياء التي تنعكس على مردودنا الذهني بالشكل الإيجابي، فنحن لا نفكر ولا نتغذى ولا ننام ولا نقرأ ولا نمارس الرياضة بالشكل المطلوب، ولهذا نجد أنفسنا أضعف من العقبات التي نواجهها، وإن كانت بسيطة، في الغالب يتسلح متسلقو الجبال والقمم بالعتاد اللازم الذي يمكنهم من بلوغ قمة الجبل، وإن حدث وصادفتهم عراقيل ومشاكل فهذه العدة كفيلة بحمايتهم وتذليل المصاعب لهم، كذلك الأمر بالنسبة لمن يمتلكون أحلاما يريدون تجسيدها في الواقع وتحقيق ذاتهم وطموحاتهم من خلالها، ولعلك لن تستطيع البدء، إلا بتوفر قيمتين أساسيتين، فقدان أحدهما لا ينهي حلمك بالضرورة، ولكن سيجعل أتعابك تتضاعف، واحتمالات نجاحك تتضاءل، وهما: العقل الراجح والجسم السليم، إذا توفر لديك العقل والجسم السليمين، فقد نجحت بنسبة 50% ، دون أن تبذل أي مجهود.

هناك العديد من القيم التي يجب أن نتحلى بها، ونحن في طريق إلى تجسيد أحلامنا ومشاريعنا، ويمكنك اعتبار هذه القيم كأدوات، أو خيارات تمثل قوة دافعة، وجدارا عازلا لما يقابلها من قيم محبطة وسلبية قد تساهم في إسقاطك عن الفرس، وإنهاء الرحلة التي بدأتها، لنفترض أنك وصلت ضيفا على العاصمة البريطانية لندن، وأردت الخروج من أجل التسوق، أنت لا تعرف الكثير عن المدينة، ولست على دراية بموقع السوق، وربما لا تملك مالا بعملة الجنيه الاسترليني، وربما ليست لديك قائمة بالمشتريات التي تحتاجها، فأنت تملك فقط الاستعداد والحاجة للتسوق، وهما قيمتان كافيتان للبدء في تحقيق الهدف، يمكنك الآن إسقاط الأمر على مشروعك الكبير الذي تسعى إلى تحقيقه، فإذا لم تكن تملك الاستعداد والحاجة للتغيير، وتحقيق طموحاتك وأهدافك فلن تنجح أبدا، وكما يقال: «الحاجة أمُّ الاختراع» أو «الحاجة الخطوة الأولى للتغير».

إن الكثير من الناس يعرفون أن توماس أديسون هو من اخترع المصباح، ولكنهم يجهلون القصة الجميلة والمؤثرة التي دعت أديسون لاختراع أعظم هدية قدمت للبشرية، والحقيقة أن الدوافع والظروف التي أحاطت بتوماس جعلت من اختراعه للمصباح حاجة ملحة وضرورية، مرضت أمه مرضا شديدا، وكان لزاما على طبيبها أن يجري لها عملية جراجية، ولكنه لم يتمكن من فعل ذلك؛ لتعذر وجود إضاءة تسمح له بالعمل بشكل واضح، كانت هذه الحادثة سببا كافيا ليرفع الشاب تحديا وتحدوه الرغبة الجامحة لإنجاز هذا الحلم، فيجلس توماس أديسون مع أصدقائه فوق ربوة تطل على المدينة، ويقول لهم: سأجعل هذا النور والضياء يجتاح المدينة، لم تكن مهمته سهلة، بل كانت معقدة ومليئة بالعقبات، أجريت مئات التجارب، وسخر الكثير من الإمكانات من أجل إنجاح التجارب، وهو الأمر الذي حدث، مع إصرار وعزيمة فولاذية تحلى بها توماس، ويكفي أنه كان يسهر الأيام الطوال، دون نوم، أو ربما يستغرق بعض الدقائق ليريح جفونه على كرسيه الخشبي، ثم يعود للعمل، ولم يكن ليسقط أو يفشل، بالرغم من عدم نجاحه فيما يتجاوز 999 محاولة فاشلة، ولكن أمله كان عظيما بنجاح الحلم والطموحن وقد كان.

لهذا كان توماس يقول دائما: «الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء»، ورأى دائما أن الفشل مرحلة أساسية في الطريق إلى النجاح، لابد أن سيرة العالم توماس أديسون جديرة أن ننقلها إلى الأجيال الصاعدة؛ لكونها قصة نجاح خالدة، ومفعمة بالمشاعر الصادقة والواقعية، والتي تمثل إلهاما، ومصدر إشعاع علمي، للذين يفكرون في صناعة المستقبل، ويجدُّون في إزالة كل الحواجز؛ لبلوغ الغاية.

إن حياة المرء دون دوافع ولا غايات هو عمر بائس معدوم، ويبعث على الكثير من الحزن والكآبة، فالذين لا تشغلهم مشاريع وأهداف سامية ورسائل طموحة، سيموتون في اليوم آلاف المرات، وسينبذهم الناس وتقشعر من وجودهم الأرصفة والأزقة والطرقات، وستعرفهم، وأنت تسير في مختلف الأنحاء، شاحبة وجوههم، يملأون الأجواء سخطا وغضبا على ما آلت إليه  أحوالهم، وهم لا يفعلون شيئا ليغيروا طريقة عيشهم، ويدفعوا عن حياتهم سوادها، إن الذين لا يستيقظون كل صباح لأجل قضية عادلة، يدافعوا عنها، أو قيم سامية ينشروها، فهم كالحيوانات الضالة لا يضيفون لحياتهم شيئا، وليس الكون بوجودهم سعيد، بل تجد أن هذا النوع من البشر مهيأ لتبني كل الآفات الاجتماعية القاتلة، والتحول إلى مجتمعات متوحشة تضم المجرمين، والمدمنين والأشرار، لهذا يقول توماس كارليل الكاتب الأسكتلندي: «إن الإنسان الذي يعيش بدون هدف كسفينة بدون دفة، كليهما سوف ينتهي به الأمر إلى الصخور وإلى الهلاك، الاستعداد والدوافع والغايات هي خطوة مثالية لتحقيق الذات التي تحاول أن تصل إليها كل يوم، وتحرك صائب نحو تجسيد المشروع  أو الرسالة التي تحاول أن تنشرها في هذه الحياة، وتأمل أن تحيا بعدك أجيال وأجيال، والحقيقة أن هناك خلطا في مفهوم النجاح الذي يتبناه السواد الأعظم من الناس، فهم يعتقدون أن النجاح يتمثل في بعض المهمات المنجزة في حياتهم، ويعتقدون أنها كذلك لمجرد أن الكثيرين فشلوا في تحقيق البسيط، فإتمام الدراسة ليس نجاحا في حد ذاته، ولكن النجاح درجة التفوق التي تحصلت عليها، أن تتزوج لا يعتبر نجاحا، ولكن النجاح أن تعيش سعيدا، وتؤسس أسرة متماسكة ومثالية، أن تحصل على عمل، ليس نجاحا بذاته، إذا لم تنجح في تقديم الإضافة للمؤسسة، وتساهم في رفع أرصدتها ومردودها، يمكنك أن ترصد في هذه الحياة كمًّا كبيرًا من الناس أكملوا دراساتهم وتحصلوا على عمل، وتوجوا، ولكن رصيدهم في حقل النجاح يبدو خاليا، وهنا تجد نفسك تبحث عن تعريف منطقي للنجاح، طبعا ستجد كمًّا هائلا من التعريفات ستقتنع ببعضها وتترك بعضها، ولكنك ستسعى إلى تعريف النجاح بالطريقة التي تريدها أنت، وليس التي يراها الآخرون، فتعريف النجاح بصفته البسيطة هو تحقيق الأهداف التي سطرتها في حياتك أو كما يعرفها خبير التنمية البشرية جيم رون أنها التقدم المستمر نحو تحقيق المرء لأهدافه، إنه تعريف صائب بشكله العام، ولكن علينا أن نتعرف أكثر على المرء، والأهداف التي يريد تحقيقها؛ حتى نحكم على النجاح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الآفاق, النجاح
عرض التعليقات
تحميل المزيد