أنت تخرجتِ منذ أربعة أشهر من الصحة العامة أخصائية تغذية، إذن لنفترض أنك خريجة جديدة عمرك تقريبا 21 عامًا أي أنك مواليد 1999 على الأرجح، وتخصصك ليس تخصصًا يمكن جبرك عليه أو فقط ناسب مجموعك في الثانوية العامة – أو ما يماثلها في الدول الأخرى- وبقية سؤالك أنك تكرهين تخصصك! ولا تريدين أن تعملي – لم أستطع الوصول لنقطة لا تريدين العمل عموما أم في مجالك بشكل خاص – ثم ما الذي يجب عليك فعله.

لننتقل معا للشق الأول من سؤالك لماذا يكره البعض أحيانا تخصصاتهم التي يدرسونها؟ جزء كبير من ذلك راجع إلى أنه تم جبرهم على قبول ذلك التخصص ببساطة أو دخلوه ثم فوجئوا أن التخصص غير ملائم أو مناسب لهم وفات الوقت في التغيير أو الانتقال لتخصص آخر، لم يعد باليد حيلة سوى أن نستمر في الدراسة في التخصص الكريه إلى قلوبنا – وهو بالمناسبة ليس كذلك – وسأشرح لك كيف، جزء كبير من الذي نقوم بدراسته في الجامعة هو كيفية الحياة والتعامل مع آخرين فأنت تدرسين جزءًا حياتيًا في التواصل الفعال وكيفية التفكير وطرح المشكلات والحلول، ومن ثم تدرسين جزءًا تقنيًا صغيرًا متمثلا في محاولة معرفة الكثير من الأشياء عن فرع أو علم واحد فقط وهو ما يتوقف عند تخرجك أو يستمر معك في دراسات عليا ويصاحبك في عملك ووظيفتك فيما بعد.

لنفترض أنك اخترت هذا التخصص ومن ثم وجديته غير مناسب واستمررت في دراسته طوال سنوات الدراسة حتى التخرج والآن تخرجت ولا تحبين ذلك التخصص هناك عدة نقاط أحب أن أوضحها لك:

  • لا يعمل الكثير منا فقط في مجال تخصصه أو دراسته فالدارسة شيء ومجال العمل شيء مغاير تماما ولنضرب مثالا بي، وأنا في الثانوية العامة في السنة الأخيرة اخترت أن أدخل كلية الآداب قسم التاريخ وأن أختار لغتي الثانية اللغة العبرية، لأنني كنت واثقًا تمامًا في رزق الله أنني سأعمل في مجال مختلف جدا عن دراستي، كان متاحًا لي كليات التربية والتجارة والحقوق وكليات أخرى ولكنني اخترت الآداب لأنني كنت أطمح لبناء عقلي أولا وبعدها كل الأمور ستكون على ما يرام.
  • ليس معنى تخرجك أخصائية تغذية أنه عليك العمل أخصائية تغذية الأمر أوسع من ذلك بكثير عمرك صغير ومقبلة على الحياة 21 سنة معناها أنه أمامك الكثير جدا لتجربيه ولتتعلميه فقط توقفي عن كراهية تخصصك الذي سيطر عليك لفترة طويلة، حتى بات يؤرقك فعلا ويهدد بشكل سلبي مستقبلك.
  • هل خضت تجربة السفر؟ خذي راحة طويلة بعد انتهاء دراستك وجربي السفر – بعد انتهاء جائحة كورونا قريبا إن شاء الله – وجربي السفر لمكان آخر سواء داخل دولتك أو خارجها وفكري في الأمر كأنه هدنة بعد معارك دراستك وأنت تستحقينها، لا تحاولي أن تشغلي بالك بما هو في الغد ولا تحصري تفكيرك فيما مضي من أمس، بل ركزي فقط في اليوم واللحظة الحالية – قد تبدو كلماتي تنمية بشرية – ولكن فعلا فكري في الأمر في أنه تجربة جديدة عليك خوضها ومعرفة تفاصيل أكثر عن نفس وظيفتك في المكان الجديد لا لشيء ولكن لتعرفي أكثر عن الوظيفة التي تكرهين العمل فيها مثلما كرهت دراستها.

لا يوجد من يجبرك على اختيار وظيفتك المستقبلية – إن كان تم إجبارك أو الظروف دفعتك لدراستك المسبقة فليس هناك داع لذلك، في وظيفتك يمكنك أن تعملي في وظيفتك التي قمت بدراستها أو يمكنك التفكير في مجالات عدة للعمل فيها بعيدًا تمامًا عن مجال دراستك مثل:

  • أظن أن دراستك بشكل ما ساعدتك في الحصول على الكثير من الأمور الطبية الخاصة بوصفات الدواء وما شابه، فذلك يمكن أن يتيح لك العمل في أي مكان طبي ولكن في وظيفة مختلفة جدا عن التي درستيها، فلا تحصري نفسك تماما في أخصائية التغذية فقط هناك مجالات أخرى يمكنك العمل بها لا استطيع أن أفتي فيها ولكن ذلك ممكن.
  • يمكنك تعلم هواية جديدة سرعان ما تصبح وظيفتك مثل التصوير أو الكتابة أو التسجيل الصوتي؟ أن تقومي بإنتاج فيديوهات قصيرة حول أفضل سبل ممارسة الحمية الغذائية للنساء الذين لديهم مرض السكرى مثلا؟ كلما تخصصت في شيء ما وركزت فيه كان ذلك يستدعي الكثير من خلفيتك التي درستيها وستساعدك إن شاء الله، هل فكرت في كتابة بعض الموضوعات حول الحمية الغذائية للأطفال الذين يعانون من السمنة في مرحلة مبكرة جدا من العمر؟ يمكنك صياغة ذلك في شكل فيديوهات مصورة، وإن كان لديك الملكة في التعامل مع الكاميرا أطلقي ذلك في سلسلة فيديوهات ستعيد لك الشغف من جديد في مجالك ومجالات أخرى، وإن لم يكن لديك رهبة من الوقوف أمام كاميرا، يمكنك أن تسجلي كل ذلك صوتيا في بودكاست لطيف ونشره على ساوندكلاود والاستمرار في تطويره حتي تجدي شغفك الكامل في مجال ما.
  • أنت صغيرة في السن وحكمك على الأشياء سيتغير، بعد سنة ستنظرين للأمور بشكل مختلف وبعد خمس سنوات ستضحكين على الكثير من القناعات التي كانت لديك وأنت خريجة جديدة من جامعتك.

نهاية سؤالك بما الذي يجب أن تفعليه، في الحقيقة هناك الكثير من الأمور التي يمكنك أن تفعليها بخصوص سؤالك، أهمها أن تثقي أن رزقك عند الله فأمران ضعيهما نصب عينيك دوما، إنه لا شفاعة في الموت ولا حيلة في الرزق، رزقك سيصلك حيثما كنت وأينما كنت لأنه مقدر لك، فلا تقلقي على الرزق، الرزق ليس نقودا فقط أو معرفة فقط الرزق رزق معرفة عمل الصواب وتجنب الخطأ، الرزق جانب منه أن ينجينا ربنا من الحيرة ومن أشياء لا نعلمها لأشياء نعلمها ببساطة.

لا أحب الوعظ ولا التفلسف ولا أجيد صراحة أن أمارس دور الحكيم أو الحكاء على الأقل ليس الآن، ولكن كلما سنحت الفرصة لتجربي شيئًا جديدا افعلي، وكلما سنحت لك الفرصة لتسافري لمكان مختلف وجديد افعلي، وكلما وجدت الفرصة للتطوع وتعليم الآخرين افعلي ذلك.

في عمرك الحالي لا تحاولي الثبات على شيء بعينه وجربي كل الأشياء قدر ما استطتعت، مع الوقت ستتضح لك الطريق وتتشكل ملامح وظيفتك المستقبلية قد تكوني كاتبة أو روائية أو ملحنة أو كاتبة كلمات أغاني أو مصورة أو مقدمة برامج أو معدة فقرات في برنامج راديو أو معلنة أو بائعة لشركات أجهزة طبية، لا أحد يعرف لا أنت ولا أنا ولا أي شخص يملك القدرة على ذلك، فقط أفعالك القادمة هي من ستشكل طبيعتك في المستقبل وستحدد لك أين يمكن أن تذهبي أو لا تذهبي، فالعلم عند الله وأخيرا أقول لك نحن علينا السعي وليس علينا الوصول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد