كنت أتابع دائمًا أغاني الفنانين العراقيين بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وسقوط نظام صدام، وكنت ألمس شدة تعلقهم بوطنهم والحزن الشديد على ما ألمت به من نوازل ومصائب، ولكن بنفس الوقت كنت أستغرب هذا التعلّق بالوطن، ولم أكن أشعر بمثل هذا الانتماء لوطني، لم أشعر في بدايات عمري بحلاوة الانتساب للوطن؛ لأنّي كنت أراه مزرعة أسدية بامتياز، وكنت أشعر بأننا فراخ دجاج وأرانب في هذه المزرعة لا قيمة لنا ولا قدر.

مدينتي الرقة لا تذكر على وسائل الإعلام إلا ما ندر – والكلام قبل 2011 – ولم نسمع بمسؤول أو وزير من الرقة ضمن الحكومات المتعاقبة منذ وصول البعث للسلطة، وإن وجد فيكون رجل كرسي لا أكثر، وحتى في الانتخابات البرلمانية الشكلية، وبالرغم من وجود 12 كرسي للرقة على الأقل في مجلس الشعب، فإن الشعب لا ينتخب إلا شخصين فقط، وغالبًا ينجحان بالتزوير والرشوة، سد الفرات بجوارنا والكهرباء تنقطع لساعات وساعات عن مدينتنا وعن قراها،ونهر الفرات يمر من أرضنا و80% من أراضينا الزراعية لا يصلها الرّي، ونضطر لزراعتها بعلًا ونخسر في أيام الحصاد،لا يوجد مصانع على امتداد محافظتي مع أنها تساوي ثلثي دولة فلشطين وقد وجد عندنا معملان حكوميان فقط، الأول معمل السكر، والثاني محلج القطن.

أنا أتكلم عن محافظة في صدارة المحافظات السورية زراعيًا، وفيها مخزون نفطي وغازي احتياطي، وفيها أكبر سدين في المحافظة، وفيها مساحات واسعة لو استثمرت لصارت قبلة المستثمرين والسيّاح.

ثم بعد ذلك يراد مني أن أحبّ الوطن وانتمى له، لم أكن بعد أدرك أنّ الوطن يحبنا ولا يتخلّى عنا، لكنه مغتصب مسلوب الإرادة مثله مثلنا، علمتُ فيما بعد أنّني ظلمت الوطن بظنّي أنه المسؤول عن تهميشي، أدركت أنّ الوطن يحبني كما يحبّ أي مواطن آخر ويريد لي الخير، لكن حكّام هذا الوطن والمتسلّطين عليه هم من صنعوا الفجوة بيني وبينه، وجعلوا مني مواطنًا من الدرجة العاشرة بلا انتماء ولا حبّ ولا وفاء للوطن.

عندما اندلعت شرارة الثورة في درعا في مارس (أذار) 2011 انتهج الأسد سياسة خبيثة للمباعدة بين أهل المنطقة الشرقية ووطنهم، وسعى لجعل الرقة حصرًا منطقة مؤيدة له بالكامل لأنه يعلم حجم الرقة الاقتصادي ومساحتها الجغرافية التي تشكل له ولحكمه تهديدًا واضحًا إن ضاعت من يده.

كان شباب الرقة وثوارها رجالًا ونساءً على النقيض تمامًا من سياسة الأسد، فأشعلوا المظاهرات والاحتجاجات والوقفات التضامنية وحملات الإضراب،ثم بدأوا حملة التحرير والتطهير التي انطلقت في شمال الرقة وبدأت تتمدّد شيئًا فشيئًا

كانت هناك صعوبات كثيرة في بداية الثورة وكنّا كناشطين نسعى لإقناع الشعب بالوقوف بوجه الأسد، ولم تكن المهمة سهلة لأنّ تركيبة المجتمع الرّقّي بشكل عام كانت على أساس التركيز على الحياة والمعيشة فقط لا غير، ولم يكن ضمن حسابات أهالينا الثورة والانتفاضة، بل جزء كبير منا لا يفقه معنى الثورة.

احتاج أهل الرقة سنة كاملة ليقوموا بهبّة حقيقية وكبرى، وليس فقط مظاهرات عاجلة وحركات احتجاجية بسيطة كالتي اعتادوا عليها طيلة 2011، جاءهم خبر استشهاد الشاب علي البابنسي ابن الـ17 عامًا ليجتمع في تشييع جنازته أغلب أهالي الرقة في مشهد مهيب عظيم، حيث غصّت الشوارع بالغاضبين وتجمّع الناس عند مسجد الفواز ليصلوا على البابنسي، وقد تجمّعوا تحت البناء الذي تسكن فيه عائلة الشهيد فخرجت أمه إلى شرفة المنزل وعلا صوت الشباب الثائرين ينادون بصوت واحد:

أم الشهيد.. (نحنا ولادك)

هنا فقط كانت أولى اللحظات التي شعرت فيها بمعنى الوطن، شعرتُ فيها أننا جسدٌ واحد نرفض أن يؤذى منا أي شخص، شعرت بعظمة المواساة عندما نعزّي أهل الفقيد الذي مات من أجل الوطن، هذه القيم ما كانت لتنبت في نفوسنا لو أكلنا كتب القومية والوطنية التي كان يدرسها النظام أكلًا، ولكنّنا فهمناها عندما ثرنا على هذا النظام وأسقطنا سلطته وقلنا له: لا، لن تحكمنا بالحديد والنار ولو أفنيتنا عن بكرة أبينا، هنا فقط كنا وطنيين بامتياز عندما فصلنا الوطن عن الأسد.

هذه المقالة جزء من عدة مقالات ستنشر تباعًا أذكر فيها تفاصيل دقيقة عشتها وعاشها أبناء مدينة الرقة في الفترة ما بين 2011 و2015 إلى أن غادرت المدينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تشييع الشهيد علي البابنسي في الرقة 16/3/2012
عرض التعليقات
تحميل المزيد