تحدّثت في الجزء الثاني من سلسلة #عندي_وطن عن المظاهرة الأولى في الرقة، حيث كانت مثار دهشة وذهول الشبيحة عندما رأوا التمرّد الأول ضدّهم وضدّ سيدهم، وشرحت كيف فرّقوا المظاهرة بالعنف، وكيف توجهنا إلى الحارات والشوارع الفرعية بحثًا عن مكان آمن لا تطالنا فيه يد الاستبداد.

لا زلت أذكر ذلك الشاب الذي استضافني في منزله كي لا يمسك بي الشبيحة، التقطتُ أنفاسي، وشعرت بشيء من الأمن في ذلك المنزل، ثم استأذنت الشاب أن أخرج إلى الحي، فالوضع أصبح هادئًا نوعًا ما، ولم يعد عليّ أي خطر.

خرجت إلى الشارع بهدوء وتابعت المشهد من حولي، حيث كانت سيارات الشبيحة في كل مكان، وقد امتلأت بالمعتقلين، وهناك على الجانب الآخر من الشارع ثلاثة عناصر يجرّون شابًا، ويحاولون أخذه إلى سيارتهم، وبينما هو في حالة شدّ وجذب معهم تقدّمت منهم امرأتان، أظنهما قريبتا الشاب، وكانت إحداهما أسرع من الأخرى، ولعلّ أمومتها كانت السبب في دفعها للإسراع نحو ولدها لتنقذه من براثن الشبيحة.

تعاركت المرأة باليد مع أحد العناصر، وتقدمت الأخرى لتساندها، وكان الموقف مذهلًا وغير اعتيادي أبدًا،منذ متى تستطيع امرأة أن توقف عنصر أمن وتعاركه؟

ألسنا الذين تربينا منذ نعومة الأظفار أن نخاف من كل ما له علاقة بالسلطة والحكومة؟

ألم يكن يخيفنا شرطي المرور بصفارته، وعنصر الأمن بنظرته؟

ألم تكن كلمة ينطقها أحدهم بتفخيم القاف كفيلة بتراقص فرائصنا خوفًا ورعبًا؟

لقد نسينا كل ما علمنا إياه البعث طيلة أربعة عقود مع أول صرخة حرية، وأثبتنا للعالم كله قبل أن نثبت للسلطة البائدة أنّ الظلم لا يدوم، ومن يحكم الناس بالرعب والتخويف سيأتيه يومٌ يعيش هو الرعب من هذا الشعب مسلوب الحقوق والحريات.

ثلاثة عناصر عجزوا عن إثناء امرأة قد شارفت على توديع الأربعين ربيعًا عن طلبها لابنها، منظر مهيب وعساكر وشبيحة وأسلحة قد تجمّدت وشُلّت تمامًا أما إرادة هذه الأم التي لا زالت في عراك وشدّ مع العناصر، ولمّا أحست بصعوبة تحرير ابنها نزلت إلى الأرض وكانت تحتها بلاطة من بلاطات الرصيف قد اقتلعت منذ فترة ولم تصلحها البلدية، فحملت بيدها قبضة من الرمل ونثرتها على عيون من يمسكون بابنها واحتضنته وأخذته بعيدًا عنهم والدماء تقطر من رأسه ووجهه، ولم يتبعها أحد من جند الأسد، ليس لإنسانية أصابتهم أو رحمة حلّت بهم، إنّني أجزم أنها أخافتهم جميعًا وقد كان صمودها هذا إنذارًا لكل من يفكّر بالاقتراب من فلذة كبدها.

للأمانة لولا البلاطة المقلوعة التي غفلت عنها البلدية لكانت فرصة تحرير الشاب أشبه بالمستحيلة، ولكنّها رحمة الله بقلب أم منفطر، ومن ناحية أخرى هي إهمال الحكومة الذي كان سببًا في كسرها وقلب الطاولة على عناصرها.

ذكرتني هذه الأم بقصة قرأتها في صغري عن دجاجة تمشي مع صيصانها بأمان وطمأنينة، فبينما هي على هذه الحال افتقدت أحد الصيصان فركضت كالمجنونة تبحث عنه، ووجدته في زاوية وأمامه قطة تتحضّر لافتراسه، فما كان من الأم إلا أن تهرول إلى القطة؛ فتنتفض أمامها، وتنتفخ وتنفش ريشها حتى صار منظرها مفزعًا مخيفًا، فهربت القطة خوفًا وما عادت، وحفظت الأم صغيرها وحمته من الخطر.

لا شيء يحول دون الأم وصغيرها، فلا معنى لقوة أو سلطة أو قانون أو ظروف، فالأم لا ترى شيئًا أهم من ابنها ولا تنظر إلى ما يعيق وصولها إليه، ستصل وتنقذه هذا ما تعرفه وتقتنع به أما غير ذلك فلا قيمة له في قاموسها ولا اعتبار له عندها.

يتبع في مقالات قادمة من سلسلة عندي وطن، أنشرها حصرًا على موقع ساسة بوست.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد