لا تقوم الثورات على سواعد أجيال تربّت على الخوف والرهبة من سوط الجلاد وسجنه ورصاصه، إنّما تحتاج دومًا إلى سواعد الشباب المتقد حماسة وشجاعة وإدراكًا، لا شكّ أنّ الشباب قد تنقصهم الحكمة والرؤية بعيدة المدى إلا أنّ ذلك لا يعفيهم من مسألة تصدّر واجهة الثورات، ويحتّم عليهم أن يكونوا أكبر من سنّهم الطبيعي فكرًا وعاطفة ومسؤولية.

في الرقة، عمد نظام الأسدين الأب والابن على إبقاء أبناء المنطقة في دائرة المواطنة من الدرجة العاشرة، وخاصة من يعمل منهم بالزراعة وتجارة المواشي التي تشكّل عمادًا من أعمدة اقتصاد الدولة، فكان على الفلاح الرقّي أن يبقى غارقًا في الديون همّه المعيشة وسبل إيفاء ديونه، أسس البعث جمعيات للفلاحين تقوم بتزويدهم بالبذور والسماد اللازم لزراعتهم بالدّين، لتستوفي ثمنه منهم لاحقًا مضاعفًا، وأغلقت أمامهم أبواب السوق الخاص، فلا يمكن للفلاح أن يبيع محصوله إلا للمؤسسات الحكومية وبأسعار الحكومة خاصة القمح والقطن والشوندر السكري وبأسعار تفرضها الدولة حصرًا.

ما أذكره أن القطن السوري كانت تشتريه الدولة منا بسعر وتبيعه إلى شركات ومعامل أوربية بعشرة أضعاف أو أكثر، فلا يأخذ الفلاح من الجمل إلا أذنه.

هذا الواقع الاقتصادي جعل جيل الآباء يفكّر فقط في أمور العيش اليومي، وكيفية الخلاص من الديون وإدارة شؤون البيت فقط دون أن يفكّر خارج هذا الإطار بحقوقه كمواطن أو يلتفت إلى حريته وكرامته، أما جيل الأبناء الذي انفتح على العالم الخارجي فقد كان يتطلّع إلى حياة أكثر حرية، وإلى واقع يلتمس فيه كرامته قبل لقمة عيشه، هذا هو جيل الثورة الذي كان يخرج من منزله إلى الجامعة فيصادف الأغنام مسترخية في حظيرتها تنتظر إذن الراعي لتخرج إلى مرعاها، وتعود مساء إلى نفس الحظيرة، ثم يسأل نفسه: ما الفرق بيني وبين هذه الأنعام؟، نأكل ونشرب وننام.

نحن لم نخلق لذلك، ولم نؤمن بأن للجدران آذان ولم نستسغ الظلم والهوان، فما زلت أذكر عندما جاءت البلدية مع دورية شرطة إلى منزل جاري لتهدم غرفة من الطين بناها بحجة أنها مخالفة وغير مرخّصة، وكيف هرب الرجل كي لا يسجنوه وبقيت زوجته وأولادها وحدهم، كان ذلك في عام 2007 كنت طالبًا في الصف العاشر وقد جئت مثلي مثل كل الجيران لنراقب الوضع، فتقدم إلينا شرطي ببارودته وصار يشتم ويسبّ ويدعوننا إلى التفرّق، قام الشرطي بنكزي بالبارودة من كتفي فصرخت بوجهه: ما علاقتك بي لتطردني؟ أنا لم أعطّلك عن أداء ما جئت من أجله.

فتقدم إليّ باقي رفاقه وأمسكوني واقتادوني إلى سيارتهم وكنّا لا نزال في سجال وصراخ، وهذا ما أثار غضبهم أكثر لأنّي لم أطأطئ رأسي وأنقاد لهم وكأنني مجرم مُسك بالجرم المشهود.

ولم تحلّ هذه القضية حتى تقدّم رئيس البلدية آنذاك وكان يعرفني ويعرف أهلي، وتوسّط عند الشرطة ليطلقوني فأطلقوني والشرطي الذي «تهاوشت» معه ينظر إليّ بغلّ وحقد فقال: هذا الولد يلزمه «قص لسان».

فرددت عليه فورًا: لستُ عبدًا عندك كي تقصّ لساني، هذا اللسان خلقه الله وهو الوحيد الذي يُخرسه إن شاء.

وتدخّل حينها رئيس البلدية مرّة أخرى وطلب مني مغادرة المكان فورًا وهو يهدّدني بأنه سيخبر والدي ليربيني ويعلمني كيف أتكلم مع الشرطة والحكومة.

طبعًا لم يكن ذلك المساء جيدًا بالنسبة لي فقد تعرّضت للتوبيخ من أكثر من شخص، ومن أعجبه تصرفي اكتفى بالصمت ولم يؤيدني أو يثن علي، بهذا الأسلوب حكم آل الأسد وتفرعنوا، عندما تصبح معارضة عنصر عادي محسوب على الحكومة جريمة تستحق انتفاض الجميع ضدّك يستطيع القط وقتئذٍ أن يستأسد وينصّب نفسه ملكًا وحاكمًا.

الذي يهمني من هذه القضية أنّ جدتي في عام 2011 قالت لي بعد أن أفرجت عني قوات الأسد بأنها كانت تتوقع انضمامي للثوار، وكذلك الأمر فقد تشاكلت مع داعش في منتصف 2015 وتلقّيت تهديدًا بقطع لساني، وإن شاء الله سأتطرق لهذه القصة في مراحل مقبلة من سلسلة #عندي_وطن، ولا زلت بحمد الله وفضله لا أجد في نفسي حرجًا من الوقوف مع الحق ضدّ الباطل أيًا كانت النتيجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد