يوم الاثنين 30 يوليو (تموز) 2011م المصادف لــــ29 شعبان 1432هـ، تاريخ محفورٌ في ذاكرتي مع أنّني لم أمكث طويلًا في السجن لكنها كانت تجربتي الأولى والأخيرة، وقد كانت مميّزة بالنسبة لي فقد عشت حريتي الأولى خلف القضبان، وشعرت أنني بين هذه الجدران الأربعة حرٌ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، على الأقل كسرت حاجز الرهبة.

محاولات كثيرة للتظاهر كان شباب الرقة يسعون لإشعالها منذ انطلاق ثورة العزة والكرامة السوريّة، وكانت تقابل بقمع شديد وتعتيم إعلامي، وقد كان عماد هذه المظاهرات الشباب الجامعيين في تلك الفترة، بينما كان المحامون الأحرار ينظمون الاعتصامات ويدافعون عن المعتقلين أمام القضاء، بالإضافة إلى تواجد شعبي عفوي عند انطلاق أي مظاهرة دون تخطيط أو تنظيم، ولكن يد الأمن والشبيحة كانت هي اليد الطولى في تلك الفترة لتفوقهم من الناحية السلطوية واختراقهم لجموع الأحرار ومعرفة أسرار كثيرة حول موعد أي مظاهرة ومكانها، وامتلاكهم صلاحيات القمع والاعتقال وإطلاق النار على المتظاهرين.

كانت آخر ليلة من شعبان والمتعارف عليه أن الناس ستجتمع لأداء صلاة التراويح في المساجد لاستقبال رمضان، وكانت فرصة رائعة للتجمع والتظاهر لأنّ المشكل الأكبر في الرقة كان في صعوبة التجمع العفوي، وعدم وجود ساحات تصلح للمظاهرات ما عدا الساحة الرئيسية والتي تقع في المربع الأمني أمام قصر المحافظة وقريبة على مبنى الأمن السياسي سيئ السمعة، وإن الاجتماع في المساجد كلّ جمعة لم يكن ممكنًا إلا في مسجد الحني الذي سماه الأحرار فيما بعد (المسجد العمري) تخليدًا للمسجد الأول الذي انطلقت منه مظاهرات درعا، فكانت فرصة التراويح مواتية جدًا لتواجد كثيف للناس للانطلاق بالمظاهرات، وكان لسان أحرار الرقة يصدح: (يا بشار يا شبيح.. جايينك بعد التراويح).

كنت مترددًا في الانضمام للمظاهرات الرمضانية من اليوم الأول، وقد زاد ترددي حلم رآه صديقي المقرب «حمادة» حيث أخبرني أنه رآني في الحلم وقد اعتقلني الشبيحة أثناء قمع إحدى المظاهرات، ولكن في نفس الوقت كنت أتابع أخبار الثورة في باقي المحافظات وكان ذلك اليوم مأساويًا في حماة المدينة، حيث أطبقت قوات الأمن والجيش الأسدي على قلب مدينة حماة وساحة العاصي التي كانت تخرج منها المظاهرات بمئات الآلاف، وخرج منها القاشوش الذي صار أيقونة الصوت الصدّاح بالحق.

كي لا أشعر بالهزيمة أو أنّني خذلت إخوتي في حماة قرّرت التظاهر ضد الأسد في تلك الليلة، مع أني لم أكن من التنسيقية أو على اتصال حينئذٍ بأي جهة معارضة للأسد، إنما أحببت أن أبقى مستقلًا حتى في صوتي ومشاركتي لأكثر من سبب أهونها هو اختراق المخابرات لكثير من تجمعات أحرار الرقة وشبابها، وأهم الأسباب عدم رضاي بكثير من التصرفات في تلك الفترة – وسأتطرق لها في أجزاء لاحقة بإذن الله -.

صلّيت العشاء والتراويح في مسجد الفواز وقد كان قريبًا نوعًا ما من مسجد الحني – مسافة مشي لمدة ربع ساعة أو أقل – وبعد الصلاة توجّهت إلى تقاطع شارعي تل أبيض و23 شباط، كانت تجمعات المتظاهرين قريبة من مدرسة بلقيس فتوجهت مستعجلًا إلى الموقع للمشاركة ولكن للأسف قبل وصولي كان الشبيحة قد بدؤوا بتفريق المتظاهرين، وصلت إلى مدرسة بلقيس وكنت أمشي بهدوء وأراقب الوضع فبدأت مظاهرة جديدة، دخلت فيها مباشرة وعلت أصوات الهتاف بالحرية والنصرة لحماة وإسقاط النظام، ثم فرّقنا الأمن بسرعة ودخلت إلى أحد الأحياء المظلمة وكنت أراقب منتظرًا مظاهرة أخرى، فبينما أنا على هذه الحال رأيت امرأة تجرّ ولدين صغيرين وتحمل الثالث وتبكي خائفة من الفوضى التي حصلت وانتشار الأمن والشبيحة، وأولادها الثلاثة يصرخون أيضًا فناديتها وقلت لها:

– اقتربي خالة ولا تخافي! سآخذك إلى منزلك بعد قليل.

اقتربت مني المرأة وقد رأيت في عينيها الهدوء والراحة وكأنها غريقة وصلت إلى البرّ فجأة، وبينما أنا أحادثها رأيت عنصرًا من عناصر الأمن الجنائي يركض نحوي وهو ينادي لأصحابه:

– هذا كان معهم.. أمسكوه.

حاولت الهروب بسرعة ولكن كانت عيني تعيقني فكلما خطوت للأمام خطوة أنظر خلفي متابعًا المرأة لأطمئن عليها، وكان جُلّ تفكيري منصبًّا في كيفية العودة إليها وإيصالها إلى منزلها، خطر لي خاطر سريع أن أهرب إلى أمام المخبز ثم أدخل في الطابور فأضيع بينهم، وكان الناس يقفون بالعشرات أمام المخبز بسبب شحّ الخبز وهذه أيضًا سياسة أسدية لإشغال الناس بمعيشتهم ومقايضتهم الحرية مقابل الخبز.

قبل أن أصل إلى الطابور وقف أمامي شاب في مقتبل العمر كان من تجّار الخبز وعرقل حركتي فوقعت واجتمع عليّ شبيحة الأمن الجنائي وانهالوا علي ضربًا وشتمًا، حتى أنقذني منهم أحد عناصر الأمن الجنائي وقال لهم: «اعتقلوه ولا داعي لضربه فقد صار بين أيديكم».

ووضعوني في سيارة الجنائية مع شابين آخرين وثمانية عناصر من الأمن وانطلقت السيارة نحو مبنى الجنائية وقد ركب معنا نفس الرجل الذي منعهم من متابعة ضربي، وقد كان يظهر من عمره وطريقة كلامه أنه أعلى رتبة منهم، كما أنه حاول أن يكون لطيفًا معنا بعكس البقية.

يتبع.

هذا المقال جزء من سلسلة عندي وطن، والتي أنشرها حصرًا على موقع ساسة بوست.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد