25 مارس (أذار) 2011

تاريخ لا يمكن أن أنساه، هو يوم بالنسبة لي بألف يوم، هو يوم مقتل الخوف والرهبة من ترسانة الأسد العسكرية والأمنية، يوم الاصطفاف الحقيقي إلى جانب الشعب وقضيته والوقوف بوجه السلطة الظالمة بالنسبة لي.

كان يوم 15 مارس (أذار) 2011 يوم انطلاقة الثورة الفعلية في درعا بعد أن نفد صبر الأهالي، وزاد تعنّت الجهاز الأمني الأسدي الذي رفض تسليم أطفال درعا المعتقلين، ثم جاءت صرخة الجمعة الأولى في يوم 18 مارس لتضع النقاط على الحروف في درعا وعدة محافظات أخرى، وفي هذا التاريخ خرج من مدينة الرقة كلّها مظاهرة واحدة وعدد أفرادها لا يتجاوز العشرة، وقد كانت خطوة شبابية  أولى لكسر حاجز الخوف من الأسد وزبانيته، أنا شخصيا لم أحضر هذه المظاهرة، ولم يكن لي علم بها، إنما نسّقت مع بعض الشباب الثائرين لنخرج بمظاهرة أخرى في الجمعة التي تليها والتي كانت بتاريخ 25 مارس.

لا أخفي أنّني تردّدت ألف مرة قبل أن أتخذ قرار الهتاف في الشوارع ضد الأسد، فهو خيار صعب في تلك الفترة، بل أشبه بالمستحيل، ولكنّي كنت أتطلع إلى خلاص شبيه بتونس ومصر، وكنت أظن أنّ الضغط الشعبي لوحده قد يحقق أهداف الثورة، لذلك انطلقت مثلي مثل آلاف المتظاهرين في كل سوريا في ذلك اليوم.

كان هناك مناسبة في قريتنا في نفس اليوم – عرس أحد أقاربي – وقد توجّه كل أفراد عائلتي إلى القرية، أما أنا فتحجّجت بالدراسة ورفضت الذهاب، ولم يكن بالمقدور أن أفصح أمام أهلي عن نيتي الخروج في مظاهرة الجمعة، لأن والدي بعثيّ قديم، ولا يمكن أن يستوعب معاني الحرية التي ينشدها الشباب بعيدا عن قيود البعث حاله كحال الكثير ممن عاشوا في حقبة الأسد الأب وتبرمجوا على الخوف والرعب.

كان أقرب مسجد إلى منزلي مسجد الحسين عليه السلام ولكن تقرّر أن تنطلق المظاهرة في أحد المسجدين: الفواز أو الفردوس، ونظرا للتضييق الأمني فلم يتم تحديد مسجد بعينه إنما تُرك الأمر للتيسير، اخترت أنا أن أذهب إلى الفواز وحضرت الصلاة فيها ولم أنسّق مع أحد، وما إن انتهت الصلاة حتى خرجنا إلى الشارع فكانت باصات الشبيحة وبعثيي اتحاد الفلاحين والعمال قد حُشدوا من كل حدب وصوب، كان المنظر مخيفا جدا لدرجة أنه يستحيل التنفس ناهيك عن التظاهر والهتاف ضد النظام الحاكم.

بقي الناس واقفين وكأن على رؤوسهم الطير فلم يتحرك أحد إلى منزله، وعيون الأمن والشبيحة تتطاير شررًا وتوزّع الحقد على جموع الحاضرين، وكانت عيون الناس تتجه نحو العصي والهروانات التي بأيدي الشبيحة وإلى سيارات الأمن المخصصة لاعتقال أي متظاهر.

كان لا بدّ من شرارة تنطلق لتحرّك هذا السكون، ودائمًا في هذه الظروف فإن البداية تكون صعبة وغاية في المغامرة والجرأة، وبينما كان الهدوء سيّد الموقف شقّه صوت شاب ثائر هتف بأعلى صوته: (بالرّوح بالدّم نفديك يا شهيد).

ثم نزل خلفه تسعة شباب وأنا أتفرج مثلي مثل عشرات آخرين على الرصيف، في لحظة مجنونة قمت بعدّ المتظاهرين وكانوا عشرة أشخاص فحدّثتني نفسي أن أكون المتظاهر الحادي عشر فنزلت من فوري واختلط صوتي مع أصوات البقية، التفتّ حولي وإذ بعددنا تجاوز السبعين أو ربما وصل المئة بسرعة وكأنّنا كنا حينها حبات في عقد مسبحة، ما إن تمرّدت إحدى الحبات وغادرت العقد حتى انفرط العقد كلّه.

وعلت أصوات الهتاف تنادي بالحرية والكرامة التي سُلبنا إياها، نادينا بنصرة درعا والإفراج عن المعتقلين من الأطفال، كانت لحظات عفوية صادقة لم نحضّر لها ولم نرتّب لها، والشبيحة من حولنا قد أذهلهم الموقف وأدهشتهم جرأة الشعب الذي طالما أرادوا له أن يبقى دجاجًا في حظيرة الأسد، عينه إلى الأرض ليلتقط ما يلقيه عليه راعيه من فتات خبز وحبّ، من الخم إلى الخم هذه حياته وهذا روتينه، وإن جاع الراعي يومًا نتف ريشه وطبخه وأكله.

أشار أحد الضبّاط إلى العناصر بيده فتوجهوا مسرعين نحونا وبدؤوا بضرب من يصلون إليه بدون تمييز أو تركيز، تأتي الضربات على الرأس أو الكتفين أو أي منطقة من الجسم دون أي اعتبار أو رحمة، فتفرّقنا في الحارات بحثًا عن مكان آمن يقينا توحّش هذه الطغمة الفاسدة، وخاصة أنّ أصوات الرصاص ملأت السماء وصوت عصى الكهرباء غطى أي صوت آخر.

وكان نصيبي أن أدخل في شارع فرعي بالقرب من شارع الأماسي، فهمس لي أحدهم من أمام منزله أن اقترب وادخل هنا لتختبئ، لم أكن أملك الجرأة أن أدخل فرفضت، وتابعت، فناداني وقال لي: (سيمسك بك الأمن، تعال إلى هنا يا أخي)، ثم شتم بشار الأسد، وعندما سمعت شتيمة الأسد بأذني أحسست بالأمان والطمأنينة فدخلت منزله.

يتبع في مقال قادم بإذن الله من سلسلة عندي وطن على ساسة بوست

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد