‏مرحبًا بصديقي الذي لا يؤمن بأي شيء قطّ، لتعلم أولًا إني لا أنظر إليك نظرةً دونية، أو أنك مسخ ما بالعكس تمامًا كلانا يتشابه في نقطة البحث، ألمس التيه الذي أصابك وأتقبلك وعليك أن تتقبلني وتثبت تقبلك هذا لي بأن تقف على الحياد وتسمع كلماتي ولتعلم أني لن يضرني ظلامك، ولن أُجني من نورك شيئًا.

قبل أن تقرأ لماركس وأرسطو قبل أن تقرأ حتى القرآن الكريم أو الإنجيل تأكد أولًا من خلو صدرك من الكِبر، تأكد من صدق بحثك وأنك لا تقرأ لتبحث لتهاجم في شراسةٍ وغل يُعميك عن الحقائق، وأنك لا تحمل قول سارتر: «لا يليق بالمُثقف إلا أن يكون مُعارضًا»، هُنا لن يجدي معك ألف خطاب ولن تنجدك مئات الكتب.

لتعلم يا صديقي أنّ الله أجلّ من أن يرى منك صِدق البحث ولا يهديك حاشاه هو أعلى وأعدل من ذلك، وأنني لا أنكر عليك حقك في البحث، أين الاختبار الحقيقي في أن نرى الله، ثم نعبده، أين حُريتنا في الاختيار لو أظهر الله لنا ربوبيته، لا تفكير هنا إنما أصل الإيمان كله الغيبيات، وبما أنك لا تؤمن بوجود إلٰه فلا تؤمن بيوم آخر، ولا ثواب، ولا عقاب.

ولكن تنتابني بعض الأسئلة إذا نظرت بمنظورك اذا لم يكن هناك رب ولا يوم آخر دعني أسالك من منطقك هذا عدة أسئلة، كيف لهذا الفقير الذي يخدم هذا وذاك أن يظل فقيرًا طوال عمره فقط لأنه ولد لأبوين فقيرين، ماذا عن هذا الضرير الذي لم يرَ ألوان الحياة ولم يعرف معنى الجمال قط.

كيف أُسلِّي هذه المرأة التي مات زوجها حبيبها كيف أُخبرها أن ليس ثمة لقاء آخر وأن التراب التي ألقته هي بيديها على وجهه سيبتلعه إلى ما لا نهاية. وهذا الذي لبث في السجن بضع سنين يعذب ليل نهار، أو الآخر الذي عُدم أصدقاؤه دون أية تهمة، وقاتلهم يُنعم ولا يهلك.

إن الحياة هكذا تكن مجموعة من المظلمات فهي توهب للبعض وتسلب من الآخر تمامًا وليجن المرء إن علم أنّ إبتلاءاته ذهبت سُدى ولشاعت فوضى هائلة لو قرّ في نفس المرء أنّ القوانين هنا فقط على الأرض ومن لم ينل فيها مظلمته فقد ضاع حقه تمامًا.

يا صديقي تموت وحدك وتُبعث وحدك ومهما بلغ من حولك من الحب لك لن تطأ قدمٌ مكانك القبر ولن يشاركك غيرك الموت وتجربة الظلام، ولتعلم أنا لست ‏أهلًا يا صديقي لأن ‏أناقش سردياتك أو أن أُحاججك، ‏لهذا جنوده الذين تسلحوا بما أجهل، ولكن أظن أنني بحاجة لأن أقص عليك بعض الأشياء عني، عن بعض المرات التي لامست فيها السماء ونالني فيها الضوء تلك المرات التي بسطت فيها يدي الى السماء فوجدت الله، تلك المرات التي وضعت فيها يدي على صدري وشعرت أن ثمة خالق لهذا الكون.

أتعلم في الحقيقة أنني أستشعر معية الله في كل لحظة في حياتي‏ أستشعر وجوده حتى في المعاملات اليومية البسيطة ما أن يضع الفجر خيوطه إلى أن يسدل الليل ستارة، أرى الله أراه في خلقه أراه حين تضع صديقتاي طفلهما الأول من العدم، ‏الأول‏ يولد مريضًا ‏والآخر معافى فيحيا الأول ويموت الثاني على عكس كل التوقعات، ‏أجد الله عند صديقتي هذه يربط على قلبها، ‏أَجِد الله في النظر في وجوه أمهات الشهداء أجده دائما في منازلهم فأجد منهم صبرًا يذهلني حتى لأشعر أني حزينة أكثر منهم وكأنّ المصاب مُصابي أنا ليس هم.

‏وجدته أيضًا حين مرض أخي الصغير فصرت أركض في المنزل أصرخ أنادي أحدهم وأستغيث بأي شخص فأجد سكينة على وجه أمي وكلمات هادئة مرتبة بأننا لسنا بحاجة إلى أحد ما دام الله معنا ليذهب عني الروع ‏وأناجيه هذه المرة وكأنني أراه،

‏وجدته أيضًا يا صديقي في وجوه العجائز في قلوبهم حتى في شيبهم وجدت إيمانًا راسخًا في قلوبهم والله تهزم وتذل أمامه مصائب الدنيا، وجدت عقائدًا أرسخ حتى مما في قلوب معلمي العقائد أنفسهم حتى رغم أنهم لم يفقهوا العقيدة وربما لا يستطيعوا القراءة حتى.

‏لا أقول لك لا تبحث عن الله بالعكس أبحث عنه، ولكن بصدق ستجده كلما نظرت حولك لربما تجده حتى في حبٍ لك في القلوب لم تزرع منه شيئًا، أو لربما في خلق الشمس التي لو تغيبت عنَّا يومًا واحدًا لكان هلعًا هائلًا ومشهدًا مهيبًا يرتعب المرء فقط لتخيله ورغم كل ما وصلنا له من العلم والتكنولوجيا لن نجد ما يعوضنا عنها.

السماء من فوقك انظر لها ترتفع بدون أية عواميد والتي تصير كوارث فقط لو أن مُهندسًا أخطأ في عدد الأعمدة في بنايةٍ ما وأنقصها واحدًا، بصدق ألا تثير السماء دهشتك؟! «الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلقِ الرَّحمنِ مِن تَفاوُتٍ فَارجِعِ البَصَرَ هَل تَرى مِن فُطورٍ»، هل رأيت يومًا ثُقبًا في السماء، عيب أو خلل ما في صنعها افتح نافذتك يا صديقي عاود النظر دعِ النور ينفذ إلى قلبك، لا تجعل صدرك ضيقًا حرجًا فلا يصلك مما تقرأ شيء.

‏أتعلم يا صديقي ستجد راحة في جنب الله لن تنعم بها مهما حييت، أي راحة في غير معية الله هي مؤقتة عبثية مصدرها أنها تسقط عنك مشقة التكاليف فقط.

هذا ما يمنحك الراحة، ولكن سترحل عنك تمامًا اذا خانك ‏ذات مرة مقود سيارتك، ولم يأتمر بأوامرك وأصبحت في مواجهةٍ حقيقة مع الموت ‏حتى ولو لم ينل منك حينها صدقني هذه اللحظات كفيله أن تصيبك بالهلع وتطلعك على أنّ الراحة التي تدعيها هزلية هشة لا حقيقة لها سرعان ما تسقط عنك وأنّ رحلتك ضاعت عبثًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد