وبطريقة لا تدري كيف، وفي خِضم بدعة تاريخية تحول الزواج من قضية تشريع سماوية إلى قضية أرضية يتأمر بها المجتمع على بعضه، تؤجل معظم العائلات العربية أفراحها إلى موعد زفاف بناتهم حتى يستفيدوا من المهر، وبالعكس يبدأ أهل العريس في مشهد انتقامي بالإيعاز في الطلب أخذًا بثأر ما سُلب من ابنهم (المهر)، بينما يظل طرفا الزواج محكومين بتفاصيل ليس لهم دخل وقرارات لم يتم استشارتهم حولها.

الغفلة التي يتداولها المجتمع في التعامل مع الزواج سببها واحدٌ لا غير؛ العادات والتقاليد، فالعادات والتقاليد رسمت مهيعًا جائرًا في تحديد تكاليف الزواج، حتى أصبحت أكبر عقبة، في مصر مثلًا سجلت زيادة متوسط تكلفة الزواج ألفًا ونصف الألف دولار بين الأعوام 1999 إلى 2005، وفي اليمن زادت التكلفة من مئتي دولار إلى عشرين ألفًا حاليًا بنسبة مئة بالمئة، وفي الإمارات وصل متوسط التكاليف إلى قرابة المئة ألف دولار. في حين يفغر المواطن العربي الغلبان فاه أمام التكاليف في الوقت ذاته تقل قدرته الشرائية، وبالتالي تراجع الدخل وارتفاع البطالة ورحيل القيمة الشرائية على بساط علاء الدين.

وللأسف فإن العادات والتقاليد العربية المسلمة تشربت من الفواحش الغربية (عولمة) ما جعلها ثقافة بلاستيكية لا تأخذ سياقها المناسب، يقول عالِم الاجتماع علي الوردي: «التناقض الاجتماعي كامن في أعماق الشاب العربي، فهو يقلد الشاب الغربي في أفانين الغرام، ولكنه في الزواج يريد تقليد أبيه وأعمامه وأخواله، إنه في غرامياته دونجوان وفي زواجه حاج عليوي». وهذا التناقض يُعزى إلى قلة الخبرة الحياتية التي يكتسبها الفرد، هذا على الرغم من كثرة علاقات معظم الشباب لكن للأسف مع قلة اغتنام أية فائدة، وبصريح العبارة لا يمكننا بناء زواج ناجح (والنجاح من الله وحده) دون أن نبني ثقافةً تناسب الزواج.

الثقافة الأولى التي يجب أن تُزرع من الآن وصعودًا أن الزواج آلية صداقة أكثر من كونها مشاعر وإثارة تخيلات، وأن الذي يفشل في تكوين صداقة سيفشل بالضرورة في الزواج، يقول دي مونتين: «إذا كان يوجد شيء اسمه زواج جيد، فالسبب فيه أن فيه من الصداقة أكثر مما فيه من الحب»، ويزيد واسيني الأعرج «ليخسأ الزواج إن كان قيدًا قاتلًا ولم يكن صداقة ممتعة». والزواج المنشود يفترضُ التنازل، الأمر لا يمس كرامة أحدهما، لا بد أن تكون العلاقة موسومة بالمرح والفكاهة والتنازلات وهذا يساعد على التغلب على المصاعب، يلطف الأجواء ويخفف من وطأة المشاكل ويزيل الإحساس بالحرج.

ثقافةٌ أخرى يُسأل عنها الفرد المقبل على الزواج وهي عدم اختزال الزواج إلى الجماع، وزرع ثقافة أن هذا التفكير ممل، هذا التوجه أسقط من عزيمة المرأة العربية التي تصدق ما تسمع لا ما ترى، مما زاد من تخوفها وأذعنها للشك، مما جعل المرأة العزباء تميل أكثر إلى استثمار وقت أطول في مواصلة التعليم والاستمتاع بشبابها. يجب أن يكون هناك تواصل نفسي وتفاهم عقلي واستشارة وجدانية وهذا كله ضروري في العلاقة الزوجية، وهي علاقة إنسانية قبل أن تكون علاقة بهيمية.

ثقافة ثالثة تبدأ بأسئلة مثل هل أنت اجتماعي؟ من هم أصدقاؤك؟ كيف هي علاقتك بوالديك وإخوتك وأقاربك؟ لأن الزواج لن يكون بين طرفين اثنين فحسب بل بين طائفتين من الناس وصلة أقارب فيجب تحسين العلاقة الأسرية والاجتماعية قبل التفكير بالزواج، ثم إن الزواج أساسًا علاقة مصاهرة لتقوية الروابط العائلية وليصهر الناس في بوتقة واحدة من الحب والتفاهم والرحمة. أسئلة أخرى مهمة مثل كيف تقضي وقت فراغك؟ ما هي هواياتك؟ فعمل الشخص في وقته فراغه دليل على شخصيته ومعيار لطموحه ونظرته للمستقبل. لعل البعض يعتقد أن تقرير مثل هذه الأسئلة أمر غير مهم، ولكن انظروا إلى حالات الانفصال والطلاق، لا تخرج الأسباب عادة من منطلق المشاكل الأسرية التي تؤثر على سقف الزواج وما تمارسه أدوار الأهل من ضغوط على مواضيع كالإنجاب والمطالبة بتوفير الحد الأدنى من الرفاهية لعيون المجتمع.

أهم ثقافة برأيي تتلخص بعلة الزواج، لا أحبذ مسميات الزواج التقليدي ولا الزواج العاطفي فكلاهما قد يُفهم على هوى المجتمع، فالهروب المناسب من وطأة هذا الخلل الفكري هو أن نقول أن هناك زواجًا إسلاميًا، وهذا الزواج مفاده الأدب والعفة وحفظ الأنفس من هواها القولي والعملي، يجب أن تكون العلاقة قبيل الزواج علاقة مقننة ببعض الخطوط الحمراء في فترة الخِطبة، وكلما كانت الفتاة غير متاحة للشاب زاد تعلق الشاب بها، أما الزواج التقليدي أو العاطفي فأنا ضد هذا وذاك، يحق للمرء أن يعرف مع من سيعيش ويدرس قرينه جيدًا، في الوقت نفسه يجب أن يكون هناك تقنين وخضوع وهذا ما لا يحققه الزواج العاطفي.

والزواج الناجح هو من يحفظ حق كل طرف، حق التفكير الفردي وعدم تمييع حرية الزوج في اتخاذ قراره دون تدخل، فطالما هناك تثقيف حول الاستقلالية في التفكير والتقرير فإننا على تخوم ثقافةٍ أكبر وهي الحفاظ على النسل مدةً أطول دونما الوقوف على مشاكل من قِبل: «زوجي عنيد، زوجتي تخرج دون علمي، زوجي لا يحب أهلي». يقول جبران في كتابه النبي- الزواج: «قد ولدتم معًا وستظلون معًا إلى الأبد، وستكونون معًا عندما تبدّد أیامكم أجنحة الموت البيضاء أجل وستكونون معًا حتى في سكون تذكاراتِ الله ولكن فليكن بين وجودكما معًا فسحاتٌ تفصلكم بعضكم عن بعض حتى ترقص أریاح السموات فيما بينكم أحبّوا بعضكم بعضًا ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود بل لتكن المحبة بحرًا متموجًا بين شواطئ نفوسكم، والسندیانة والسروة لا تنمو الواحدة منهما في ظلِّ رفيقتها».

يتحمل هذا المجتمع الوزر الكبير لجريمة العنوسة للأسباب التي نتفق على أنها خاطئة لكننا لا نعمل على تصحيحها، بالتالي فقد انتكس عشرات بل مئات من الشابات والشبان بسبب هذه الشكليات والمظاهر. وفقًا لدراسات أذاعتها «هنا أمستردام» تظفر فلسطين بأقل نسبة عنوسة في الوطن العربي إذ لا تتجاوز 6% بينما تصل نسبة العنوسة في السعودية والأردن إلى 45% وفي الإمارات إلى 75% وفي لبنان إلى 85%، وما هي الأسباب؟ انخراط كثير من النساء في الحياة العامة والانشغال بالدراسة بغض النظر عن أحقيتهن في ذلك من عدمه، ناهيك عن السبب الأبرز وهو القيم القبلية والمغالاة في المهور وتكاليف الأعراس والتضييق والتحذير من زواج النساء من الرجال الوافدين، ولا ننسى الأحوال السياسية التي تعصف في بلدان مثل ليبيا وسوريا والعراق مما زاد من حجم المصيبة.

وعلى ضوء العادات القومية والعشائرية فإن المحاكم السعودية استقبلت في سبعة شهور من عام 2014 عدد 307 دعاوى «عضل» من فتيات رفض أولياء أمورهن تزويجهن دون سبب شرعي، بل كان الرفض لعادات يتمسكون بها واختيار رجل من نفس القبيلة لابنتهم واشتراط تساوي الوضع الاقتصادي بين العائلتين، غير آبهين بتقوى هذا الرجل ودماثةِ أخلاقه خلافًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» – رواه الترمذي -. من المصائب أيضًا نظام الترتيب العُمري الذي تزاوله معظم العائلات العربية في نظام التزويج للذكور والإناث، ولا شك أن هذه العادات التي أخذت «الزواج» من أُذُنيه – إلى معامع الجهل والفسوق – لا محل لها من الناموس الإلهي الذي لم يسُن سنةً إلا وأخذت سياق كل زمان ومكان وإن رأينا ما يخالفها وجب منها النقد والعمل على تصحيحها.

ولا جرم أن نرى فئة يائسة باتت تخاف الزواج، تكاد تكون «مقروصة» من قصص ماضية حدثت في نفس المجتمع، ترى الفتيات يضمرن الحب والخيال المكتسب من روايات وأفلام غربية فقط، وتارة يتقدم لها رجال بطرق شرعية إلا أنها ترفض شكًا وخوفًا من الفشل، وبهذا تظلِم نفسها وغيرها في هذا الرفض الذي إن كان مبررًا لدى البعض فهو بالتأكيد نابع من ردود أفعال وليس عن قناعة، يقول أندريه موروا الزواج الناجح صرحٌ لا بد أن يعاد بناؤه كل يوم.

والحياة الزوجية هي تجربة قد تنجح وتفشل حالها حال أي مشروع داخل أي شركة، نظن أننا قد نفشل أو ننجح في مشاريعنا المهنية بيد أننا نرى من داخلنا أننا نستحق تلقائيًا أن نعيش حياةً زوجيةً ناجحة وهذا هو عين الخطأ. خصوصًا إن كان مدى التثقيف الفردي في الحضيض ولا شك أن في مرحلة من المراحل سيصحب الحياة الزوجية ظنون سيئة وشكوك وتشاكٍ مما يدفع إلى عواقب وخيمة،  فمن يزرع الشك يجنِ ثمار شكوكه.

وإن قلنا أن العادات والتقاليد لا تلعب دورًا حاسمًا فنحن نكذِب على أنفسنا في حين يجب محاربتها بتبين العلة الحقيقية من الزواج، والقضاء على الزواج الذي يبغيه المجتمع وإيضاحه على أنه طلقٌ كاذب، إن كل ما نحتاجه هي جرأة بسيطة يزرعها أولياء الأمور لتذليل صعوبات الزواج بخروجهم عن النص الاجتماعي، لكن ماذا عن الذين لا يملكون تلك الجرأة؟ لا شك أن قلوبنا المليئة بالحب تُصرف عواطِفها إلى هؤلاء الذين تأخر دورهم بسبب عادات وتقاليد أخضعتهم لتجربة مرارة العيش وضنكها. لا أفهم كيف انتشرت هذه العادات وكيف كان المجتمع يغذيها – بالانصياع لها – في الوقت الذي انتشلت آمال كثير من الأصدقاء الذين ودّوا لو أنهم قادرون على التجرد من المعوقات، ما أفهمه هو أنني سأمضي على ما كنت عليه قبل اجتياح هذه العادات للفطرة، لا أفهم إلا لغة المنطق الديني السليم، إن أجمل شعور هو الشعور المضني بالقدرة، والرضوخ لما تريده أنت بشروطك لا بشروطهم لذا ها أنا ذا أدعوكم لحفل زفافي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد