نحن لا يمكننا أن نمزق صفحة من حياتنا ونرميها، ولكن من دون شك يمكننا أن نرمي الكتاب كاملًا في النار.

جورج ساند.

مع التجارب التي لا بد لكل بشري أن يمر بها على اختلاف ظروفه وقدراته لا بد لكل تجربة أن تترك علامة مميزة فيه،
كيف لا وقد صُممت النفس البشرية لتكون وعاء لتجارب الحياة ومادة مميزة للدراسة ضمن ظروف متغيرة وغير ثابتة، وهنا يكمن السر حيث إن أروع ما يميزها هو قدرتها على التّغير والتّكيف ضمن ما يضمن بقاءها بأكثر صورة ملائمة.
بقاءٌ يجب أن يتجاوز في حدوده مجرد البقاء ليضمن إلى جانبه حالة مستقرة من الشعور بالأمن والسكينة مع الوصول لدرجة معينة من السعادة التي قد تأخذ أي شكل أو صورة باختلاف الشخصيات وحاجاتها ودوافعها.

المهم أننا عندما نخرج من تجربة معينة وننتهي منها فلا بد لنا أن نحفظ في وعينا ذكريات عنها، ذكريات لن تتركنا إلا بمرور زمن تحدده قوة هذه التجربة وأثرها. والغريب في الأمر أن هذا الأثر عندما يكون عبارة عن ذكريات جميلة فإنه يكون مؤلمًا للنفس أكثر من أية ذكريات سيئة ربما لأن وعي الإنسان يميل لنسيان هذه الذكريات بشكل أسرع إذ لا حاجة لنا بها في النهاية ولكن لأنها ذكريات سعيدة فإننا نبقى متعلقين بها رغم طبيعتها المؤلمة التي فرضها واقع كونها تحولت من جزء من حيواتنا إلى ذكريّات، وكيف لا تؤلم النفس وقد ظن صاحبها أن هذه التجربة لن تغادره أبدًا وأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته وأن المستقبل لن يكون مستقبلًا من دونها.

هذا ما يحدث عندما يقع الإنسان في الحب مع اختلافاتنا عندما ننظر له لنعرّفه فإننا سنلتقي عند نقطة واحدة على الأقل وهي أن رحيل من نحب وخروجه من حياتنا سيترُك ندوبًا في وعينا وذكرياتنا لن يمحوها الزمن بسهولة وسنشعر أن الزمن الذي عشناه إلى جوارهم أصبح مجرد حفرة عميقة في الذاكرة كلما تألمنا شعرنا أننا نسقط مرة تلو الأخرى في هذه الحفرة التي ستصبح في حال استسلمنا للألم شيئًا فشيئًا قاعًا غير متناهٍ.

 وهنا يكمن دور قدرة الإنسان على التكيف مع هذه الحالة الجديدة من الألم التي ربما لم  يعهدها سابقًا وسوف نبدأ بالتفكير والبحث في طرق لِلتجاوز والاستمرار، ففي النهاية سيقول العقل والمنطق كلمته حيث إنه سيطالِبك بالبدء بعملية البحث عن الشعور بالأمن والاستقرار هذا الشعور الذي فقدته بفقدانك للإنسان الذي كان يشكل لك هذه الحالة فقط بتواجده وسيطالِبك أيضًا بالبحث عن السعادة ربما عند شخص آخر وربما في مكان آخر وربما بالبحث عن السلوان فقط إن كنت تملك تلك الحالة المتقدمة من الألم.

المشكلة أنك في بحثك عن النسيان والعودة إلى الطريق الصحيح ستدخل في متاهات الاختيار وخاصة أنك قد كنت سابقًا ربما خططت لشكل حياتك ومقدّراتها بوجود من كنت قد فقدت والآن عليك إعادة ترتيب كل شيء من دونه، ثم عليك أن تصارع في نفسك مشاعر متناقضة بين الرغبة في النسيان والشعور بالشوق مع وجود طرف ثالث يتمثل برغبتك العارمة في أن تثبت لنفسك أنك إنسان لك قلب وفيٌّ لحبٍ قد خلّاك أو تخلى عنك.

 وهنا ستقف أمام مرآة نفسك تتساءل هل أعبث بذاكرتي وأتعامل مع حياتي الجديدة وكأن الوقت الذي مرّ مع من تخلى عني مُجرد صفحة كنا قد كتبناها؟ وما عليّ الآن إلا أن أمسحها بممحاة اللامبالاة أو أن أمزقها بيد القسوة والنكران وكأنها لم تكن وأكمل حياتي حيث توقفت، أم أنني يجب أن أتغيّر كليًا وأغير كل ما حولي من العناصر التي تشكل حياتي وشخصيتي وطريقة تعاملي مع كل شيء عسى أن أصل بذلك إلى الضفة الأخرى التي تمثل التغيير الذي تسعى إليه نفسي من أجل أن أتكيف مع هذا الموقف المؤلم الذي تسجله الحياة في سجل ذاكرتي.

في الحالتين عليك أن أتخذ قرارًا يحتاج إلى الكثير من الإرادة والعزم والتصميم ووقتك ضيق وحجم الألم عظيم، هذه التجربة التي يمر فيها أغلبنا في حياته لن تتركك بسهولة، لا لن تتركك دون أن تعلمك الكثير وهي غالبًا ستقويّك وتجعلك أكثر مرونة مع الأيام بحيث تصبح أصعب من أن يتم إيلامك بأي شكل ولأي سبب. سوف تمتلك ذلك الدرع الذي يحميك من مختلف أنواع القذائف كالمناعة التي تكتسبها من مرض بعد أن تعاني منه لأول مرة ثم تصبح منيعًا منه ما حييت.

مجرد تمزيقك لتلك الصفحة من حياتك ربما لن يكفي خاصة إذا كنت قد استهلكت الكثير من عواطفك وطاقتك محاولًا الحفاظ على ما خسرت ربما عليك أن تلقي بالكتاب كاملًا في النار وأن تبدأ كإنسان جديد مختلف ومتكيف مع ما تعيش وتترك الباقي للوقت بعد أن تُظهر له أنك تغيرت وأنك أصبحت أقوى وأكثر جلدًا.

صحيح أن الأمر قد يترك شيئًا من التشوه في شخصيتك لأنه من المؤكد أنك في كلتا الحالتين ومهما كان قرارك لتكمل طريقك فإنك ستتغير كليًا أو جزئيًا ولن تعود كما كنت أو كما كنت تحب أن تكون، ولكن من المؤكد أنك سوف تكون أقوى وأكثر قدرة على مواجهة الناس مع ازدياد خبرتك في فهمهم وفهم مشاعرهم وميولهم.

المهم أن لا تتغير لإنسان كان يكرهه ذلك الذي هجرك وتخلى عنك فتثبت له أنه كان على الأقل على صواب. لقد تعلمت من الحب أن الإنسان يجب أن يبقى قويًا متماسكًا لأنه إن كان قد أحب بكل صدق فيجب أن يتعلم من تجربته السمو والعلو والقوة والمنعة وأن لا يتحجج بفشله في تجربة معينة ليصبح صورة أسوأ عن نفسه.

فلا تتكيف متغيرًا للأسوأ لأن هذا التكيف ما هو إلا خدعة تناقض إنسانيتك التي تريد في نفسك الحفاظ عليها في نهاية الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد