يقولون من سمع ليس كمن رأى، ولكنّي أزيد ومن رأي ليس كمن عايش، ففي المعايشة حياة كاملة بكل تفاصيلها، يدرك فيها الإنسان معادن البشر وطبائع النفوس، وأخلاقيات الأمم، رفيعها ووضيعها، خيرها وشرها؛لذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ عن أبي هريرة: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» فالأعمال هي ميزان البشر الحقيقي، وبالمعايشة يُقاسون وتُدْرَكُ معادنهم، ولا سيما من كان في خضم الحوادث والحياة؟ فلا تحكموا على البشر حتى تعايشوا نفس ما يعيشوه وإلا كنتم ظلمة لهم ولأنفسكم، فالمرآة لا تعكس إلا ما ظهر من الإنسان ولا تستطيع كشف ما بداخله.

ربما يتعجب الكثيرون من عنوان مقالتي هذه! ويأخذهم الذهول والتفكير وتقتلهم الحيرة! فأنى لي بفرعون وزمن فرعون! وأنا ابن القرن العشرين، وقد كان فرعون من الأمم الغابرة التي انتهت بُعيد القرون الأولى في زمن موسى عليه السلام، ولكنْ لمَ العجب و«فرعون» ما هو إلا لقب لكل من طغى وتكبر وتجبر في الأرض بغير الحق، أوليس النبي صلى الله عليه وسلم هو من قال ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي عبيدة عن أبيه عبدالله بن مسعود، في وصف أبي جهل: «هذا فرعون أمتي». فما أكثر الفراعنة في زماننا هذا! وما أشد الطغيان الذي ابتلينا به نحن العرب والمسلمين في جل بلداننا! حتى أصبحنا لا نعي هل نعيش حقا في بلدان هي عربية اللسان وإسلامية الهوية؟! أم في بلدان يحكمها الفراعنة كلٌ حسب شرعته ومنهاجه؟!

لا تتعجب أيها القارئ، فما اشتعلت الثورات في بلداننا العربية والإسلامية إلا بعد أنْ ضاقت الأرض بأهلها، فلا دينًا أَمِنوا عليه، ولا دُنيا حصّلوها وعاشوا فيها كراما، فهنا دولةٌ تحارب الشريعة، وهناك دولةٌ تُجَرِّمُ التعدد، وثالثة تساوي الذكر بالأنثى في الميراث، ورابعةٌ تحارب كل شعائر الإسلام، وخامسةٌ تنكلُ بكل صاحب رأيٍ، وسادسةٌ تذبح شبابها وتقتل شيوخها وتنتهك أعراض بناتها لا جريمة لهم إلا قول الحق أو إرشاد الناس لخيرٍ، أو ردَّا لحاكمٍ ظالمٍ أو دعوةً لمقاومة عدو، فما أشبه الليلة بالبارحة، غير أنّ فراعنة هذا الزمان أشد طغيانًا وبؤسا وإجراما من فراعنة الأمس وإنْ اختلفت الأسماء فالطغيان واحد لا دين له.

فهذا فرعون موسى الذي ادَّعى الألوهية وتنكَّر لخالق السموات والأرض، وضرب الله به المثل في القرآن على الطغيان والإجرام والظلم، عندما جاءه موسى وأخوه هارون عليهما السلام بدعوته لعبادة الله وحده، لم يقتله مرة واحدة، بل حاوره مراتٍ ومرات في حضور ملئه، أعطى موسى حقه في بيان رأيه أمام حاشيته الكافرة رغم قدرته على قتله والتنكيل به، لكنه حاوره وتحداه بأن يأتيه ببرهان ومعجزة تثبت صدق ما يقول؛ ربما لكي لا يظهر ضعيفا أمامهم ويشككهم في ألوهيته المزعومة فاضطر لمحاورته، فأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين وكان موسى شديدَ السُمرة، فأنَّى له ذلك، وألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، وعندها اتهموه بالسحر، فما كان من ملأ فرعون إلا بإيعازه على قتله، فرفض وقال: «أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين»/الأعراف111!

تخيلوا معي ذلك المشهد المهيب من رجل يملك القوة والجبروت والسلطة والجند والملك والمال والعلم ويدعي الألوهية، ويأتيه موسى وأخوه بضعفهما ويتحديانه في ملكه وقوته وجبروته وطغيانه، ثم يعطيهم الحق في الرد والمجادلة والبيان، بل ويطلب مناظرة موسى أمام كل أهل مصر: «قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشرالناس ضحى»/طه59 ! فأين فراعنة هذا الزمان وطغاتهم وديمقراطياتهم الكاذبة والفارغة من فرعون موسى وأخلاقياته في استشارة ملأه وحاشيته وإعطاء من يعارضه حق الرد والبيان ودحض الحجة بالحجة رغم ضعفهم من الناس؟!

كنت أظن أن هذا الأمر يقتصر فقط على قصة فرعون مع موسى، ولكنّي عندما تأملت القرآن وكتب التاريخ والسير وجدتها ملأى بمثل هذا، فهذا طاغية العراق النمرود يتجبر في الأرض ويُصاب بجنون الكبر والعظمة فيكفر بالله ويدعي الألوهية على الناس، فيرسل الله له نبيه إبراهيم عليه السلام فيجادله في ربه ويستمع له النمرود ويقرعه إبراهيم الحجة بالحجة: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» [البقرة:258].

واحسرتاه، فكلما قرأت آية في القرآن أو سطرا من كتب التاريخ والسير عن هؤلاء أُصَابُ بغصةٍ وألم شديد على ما كان لهؤلاء من الطغيان ورغم ذلك كانوا يجادلون كل من يخالفهم الحجة بالحجة، ثُمّ أَتِيهُ بذاكرتي في ذلك العالم الذي نحياه الآن، فأرى شعوبا مقهورة، وأخرى مظلومة، وغيرهما حبيسة ومأسورة، فلا كالبشر مكرمين ولا كالحيوانات أحرارا في البرية… فما الذي تغير؟ أم أنّ فراعنة الأمس كانوا أكثر أخلاقا وفراعنة اليوم أشد إجراما وطغيانا؟!

بحرٌ من الأسئلة يعصف بي: إلى أين وصلنا في هذا العالم المنافق؟ وكيف هانت أنفسنا ومصائرنا على الظالمين عندما طأطأنا رؤوسنا لهم وانحنينا أمامهم ولم نعمل بما أنزل الله في كتابه: «وليخش الذين لو تركوامن خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا»/النساء 9، فالاستقرار والرخاء وأمان وسعادة الذرية والأجيال لا يكون إلا بالتقوى وقول الحق.

لكن المؤلم حقا ليس في ظلم الحكام وحسب، بل في طغيان عامة الشعوب المغيبة والمجهلة أيضا وإليكم أغرب الردود من ملأ فرعون عندما واجههم موسى بالمعجزات والآيات البينات بماذا أجابوه وماذا فعلوا: «قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ*قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ*يأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ*فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ*وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ*لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِين».

لعلنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبين!هذا هو لسان الغوغاء وعامة الشعوب المجهلة في كل مكان وزمان يتبعون المنتصر وإنْ كان ظالما، ويغنون لمن يفتنهم ما دام في ذلك متعة لأوقاتهم الفارغة، وطعمة لبطونهم وشهواتهم، إلا من رحم الله منهم، وإنْ هم إلا قليل، لذلك أوجه رسالتي هذه لكل من يعمل في مجال الإصلاح والتربية وكل من يتصدر الدعوة للإسلام أو يسير في طريق التنمية والإصلاح والنهضة لأمتنا، لا تنهزموا لكثرة المغفلين، ولا تغتروا بكثرة الصائحين، فإنْ تخرج برجلٍ واحدٍ صادقٍ، أو امرأةٍ مؤمنةٍ بفكرتك خير لك من جيش جرار ينهزم مع أول صيحة عليه ويولي الدبر ما أنْ يرى أسنة الرماح، أو تُصاب قدمه بالأشواك، فطريق الدعوة والإصلاح والنهضة بهذه الأمة طريقٌ طويل، ولن يتحمل بُعْدَ السفر ووحشة الطريق إلا الصادقين والمخلصين؛لذلك مدحهم الله في كتابه واستثناهم من بين كل البشر لهذا الدرب فقال: «إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فاؤلئك مع المؤمنين»/النساء146.. فلا تتعجبوا من كثرة الساقطين على الطريق.

لقد اطّلعت على كثير من قصص التضحية للرجال والنساء على مر التاريخ بدءًا من أصحاب الأخدود مرورا بالأزمنة الغابرة والأمم المندثرة وصولا إلى صدر الإسلام وحتى العصر الحديث، لكنيّ لم أكن أتخيل أن أرى أو أسمع أو أقرأ عما حدث لتلك المرأة في زمن الطاغية جمال عبدالناصر، إنها المجاهدة زينب الغزالي تلك المرأة التي محت من عيني الصورة المزيفة لعبدالناصر الذي خُدع الكثيرون فيه بسبب سيطرته على الإعلام في زمن خلت فيه بلدان العرب منه، وكان الجميع لا يدركون من الفضاء شيئا إلا عبر الأثير: «معكم إذاعة صوت العرب من القاهرة».

أترك لكم المجال لكي تقرأوا بأنفسكم ما كتبته تلك المجاهدة بقلمها في كتاب: «أيام من حياتي»، الذي وقعت عليه يديّ فقرأته لأكثر من مرة لهول ما وجدت فيه، ومذ قرأته أصبحت على يقين أنّ المرأة إذا آمنت بشيءٍ ضحَّت لأجله ولو بروحها وحياتها، حيث كانت السيدة زينب الغزالي أبرز قيادة نسائية في مصر وقتها برئاستها لجمعية السيدات المسلمات، والتي كانت تدعو للإسلام وتطبيق منهاجه الإصلاحي في المجتمع، وقد عرض عليها عبدالناصر بعد قيامه بالانقلاب العسكري على الرئيس المصري محمد نجيب، أن تنضوي بجمعيتها التي لها آلاف الأتباع تحت الاتحاد الاشتراكي الشيوعي الذي أسسه عبدالناصر، فرفضت ذلك؛ لأنّ الإسلام النقي لا يلتقي مع أفكار الشيوعية المنحلة عقائديا وأخلاقيا.

فما كان لذلك الرفض إلا التنكيل بها وسجنها ست سنوات في السجن الحربي بأمر من عبدالناصر شخصيا ولم تخرج إلا بشفاعة من الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز، تقول بنفسها مما خطته في ذلك الكتاب بعد خروجها من السجن الحربي وأبطال الحكاية كانوا أحياء وشهداء على ذلك وآخرهم نائب عبدالناصر نفسه الضابط حسين الشافعي، وكان مما ذكرته: «فأقول لهم دعوني أجلس على الأرض… فيقول شمس بدران: لا ….لا، أين ربك ادعيه لينقذك من يدي… نادي عبدالناصر وانظري ماذا سيحدث لكِ.. لم أرد عليه ويستمر في جاهليته فيقول: ردي علي أين ربكم؟» انتهى من كتاب أيام من حياتي/47.

الطامة الكبرى لم تكن فيما قالته وشهد به هؤلاء الضباط أنفسهم والذين حكموا مصر زمنها، لكن في كمية الخداع الذي مورس لتغييب وعي مجتمعنا العربي والإسلامي بإظهار هؤلاء الطواغيت في صورة الزعماء المصلحين، رغم أنهم كانوا السبب المباشر في دمار مستقبل أجيال كثيرة متتالية من أمتنا!

لكنْ بالرغم من الوجع والدمار الذي تحياه كثير من بلداننا العربية والإسلامية وعلى رأسها تلك التي قامت فيها ثورات الربيع، فقد قام فيها فراعنة العصر بمجازر يندى لها الجبين ولا تكفيها الكتب مهما خطت أو سجلت، ولا يجبرها إلا محبرة من دم هؤلاء الشهداء الذين كانوا ضريبة غالية دُفعت من أجل حرية ونهضة هذه الشعوب والتي لم تُنَل حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور، فها هي مصر قد وقعت فيها أكبر مذبحة للمدنيين في تاريخ مصر الحديث ليس على يد عدوها بل على يد أبناء جيشها وشرطتها المكلفين بحمايتهم بالدين والقانون والعرف، حتى أصبحت رابعة رمزا لتضحية الشعوب وطغيان الحكام، وما سوريا منا ببعيد، فوفق الإحصاءات الرسمية للأمم المتحدة والذين تم تسجليهم فقط قُتل في سوريا قرابة المليون سوري وهُجّر قرابة العشرة ملايين في دروب الأرض، لا لشيء إلا لأنهم طالبوا بعيش كريم وحرية في انتخاب من يحكمهم وهذه أقل حقوق قد يحصل عليها الإنسان لكي يستطيع العيش وليس الحياة، وياليت المشهد قد انتهى إلى هنا وحسب، بل امتدت المذابح والمجازر ومشاهد الدماء إلى اليمن الحزين، والعراق الجريح، وليبيا التي تقطعت أوصالها، واستقر في فلسطين.

رسالة الختام

خلاصة القول، إنَّ أعظم ما أدركت في خضم هذه الحوادث العظام والأحداث الجلل التي أصابت أمتنا من أقصاها إلى أقصاها، يلخصها قوله تعالى في حديث عن فرعون: «فاستخف قومه فأطاعوه»، فلا يجرؤ حاكم على استعباد شعبٍ إلا إذا طأطأوا رؤوسهم له، ولا يستطيع ظالمٌ أنْ يُذلَّ إنسانا إلا إذا أهانَ نفسه وأذلها له من قبلُ؛ لذلك أقولها بعزةٍ تُلامس السماء: ارفعوا هاماتكم فلا الذلُ يطيل عمرا ولا العزة تقصره، إنها والله ميتة واحدة فإما أن تعيش عزيزا كالنخيل أو تموت ذليلا كالأنعام، فاختر لنفسك، وتذكر قوله تعالى قبل أنْ تقرر: «إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» التغيير يبدأ منك، فلا تطلبه من الناس وأنت جالس على مقاعد المتفرجين، كنْ أنت التغيير الذي ترجوه في غيرك، فإنْ لم تستطع أنْ تكون لبنة في قلاع العز، فلا تكن معول هدم ببيوت الذل، فتحمل إثم الأولين وعاقبة الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد