لطالما كان هذا السؤال «متى ستتزوج؟»، رغم عشرينية عمري، أكثر الأسئلة التي مرت عبر سندان أذني، خصوصًا ونحن في فصل الأفراح، وما أكثرها! أي فرحٍ أتوجه إليه لصديق أو قريب كان في مواجهتي سؤالٌ مباشر تارة، وتارة أخرى مغلفًا بشيءٍ من الدعاء «العقبة ليك»، وهكذا غيري الكثير من الشباب، وهذا وإن قابلناه نحن «الشباب» بنوع من القبول، إلّا إنه يبدو كقنبلة ذريّة عندما يوجه هذا السؤال إلى إحدى الفتيات، لأنّها وبكل بساطة لا تملك من أمرها شيئًا، حتى وإن رأت في أحدهم شابًا مناسبًا للزواج بها، وأجبرت لسانها الخجول على أن يبوح له برغبتها في أن يجمع الله بينهما في حلاله، كان أهون ما تلقاه منه هو أن يرفض طلبها مبررًا ذلك زورًا على أنه مقبل على الزواج بأخرى، حتى وإن كان هو الآخر معجبًا بها، لا لشيءٍ إلّا أنه رأى من جرأتها تلك نوعًا من السقوط!

بعيدًا عن السؤال الذي أحرجني، وصولًا إلى ما يحرج الباقين كحالي، سؤال «ما هي مواصفات شريك حياتك المستقبلي؟» ويكأن الإنسان قادر على أن يوجه قلبه وقدره كيفما يريد ويشاء! وفي أغلب الأحيان تبقى الإجابات عن هذا السؤال «تكهنًا» فقد يدعي البعض أحيانًا أنه يريدها فقط «ذات دين» وتبريره أسرع من البرق بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وعندما أشير إليه بيدي لأكثرهن دينًا تجد علامات الجمود على وجهه، وبعد أن أعدد محاسنها من تربية دينية وعلم، يرّد قائلًا: «يا أخي إنها ليست الصفات التي أريد»! ألم تقل سابقًا أنّك تريدها متدينة، بينما تجد شابًا آخر أقل كذبًا، فيبوح بالقول إنه يريدها «جميلة ومثقفة ومتدينة وقائدة وذات رؤية وذات نسب وطموح وكل صفات الكمال»، وإن وجدت له كان كل هذا مجتمعًا في إحداهن، قال أريدها «متيمة بي بالفطرة».

وبينما أنا في حيرة من الأصناف تلك، إذ أجد شابًا وسيمًا وسامة سيدنا يوسف عليه السلام، متخلقًا بأخلاق علي كرّم الله وجهه، قويًّا قوة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مثقفًا ثقافة مالك بن أنس رضي الله عنه، عالمًا علم مهندس المدني ابن الهيثم، يرتبط بفتاة أقل ما سمعت عنها أنّها «أميّة»، وعندما هممت بسؤاله «لماذا اخترتها أمية؟ أجابني دون تردد، فقط أريد امرأة تسمع كلامي دون مجادلتي، أريد امرأة تخدمني دون ملل، أريد امرأة لا تطلب الخروج من المنزل للعمل، لا أريد امرأة تحدثني عن حقوق المرأة أو هدايا عيد الحب وعيد الزواج، أريد امرأة لا تزيد مهامها على تربية أطفالي.

سألته مستغربًا ألا تحب لأولادك مستقبلًا مشرقًا؟ فأجابني، أجل. خسارة أن تسأل عن شيء كهذا؟، فسألته سؤالًا آخر، وكيف تستطيع تلك «الأميّة» تربية أطفال يصبحون ذا شأنٍ في المستقبل؟ أتستطيع مواكبة العصر، وهل تستطيع تقويمهم في الإطار والثقافة الصحيحة لشيء لا تعرفه ولا تعلم عنه شيئًا! فأجاب: سأفعل ذلك أنا، وأضاف مستغربًا أمري، ألم يكن حال أمهاتنا هكذا.

لم تبق كلماته الأخيرة في قلبي فرددت عليه، صحيح حال أمهاتنا كان صعبًا، وكان الجهل ينخر في المجتمع الجزائري كما ينخر يأجوج ومأجوج في هذه اللحظة صفحات الأرض لرؤية النور، لكنّ أمي وأمك لم تستمع إلى فريد الأطرش، أمي وأمك لم ترقص لأم كلثوم ولا حتى لفيروز، أمي وأمك لم تخرج لطريق دون استئذان، أمي وأمك لم تنزع حيائها ولباسها كما تفعل أمّية اليوم، أمي وأّمك كانت ماليكة قايد وحسيبة بن بوعلي وفاطمة نسومر وعائشة نواصر فماذا عن أميّة اليوم؟

بقيت حالته وكلمته على وقع قلبي وما بارك الله حوله، وبعد أيام قررت أني «أريدها أميّة»، أمية لدرجة لا تعرف المسلسلات التركية والبرامج الإباحية وغيرها مما أفسد عقول معظمهن، وخرّب ثقافتهن، وأولد حبًّا لثقافات لا تشبهنا ولا نشبهها، مستغلًا حالة انحلال أخلاقي في أوطاننا، أريدها أميّة لا تعرف أنواع أحمر الشفاه، والموضات الغربية والتسريحات الماسونية، لا تعرف أسماء المطربات والعاهرات، جاهلة بأشعار حب سلخ الأخلاق قبل الأشواق، لا تهتم باهتمامات الفنانات وحياتهن الخاصة التي لا تسمن البغلة ولا تغني البغل من جوع، كارهة لأحاديث النساء ونميمتهن، جاهلة بالأبراج وقراءة الطاس والفنجان وضرب الخفيف، ولكن أين توجد تلك «الأميّة» فالعلوم عند أغلبهن مرتبط بالنجمة التركية توبا بيوكوستون، أو عشيقها جانسيل ألجين، والاهتمام معلق ما بين زوج إليسا وفستان نانسي عجرم! وعندما تتحدث عن إحداهن بسوء أو ما شابه السوء رمزًا، أنشدتك مطلع أبيات المتنبي «الأم مدرسة» ضاربة عرض الحائط ببقية الشطر الأول من البيت نفسه «إذا أعددتها»، فيا سيدتي أعدي لي أمية فأنا أحبّها أمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد