ممنوع، محرّم، يسفك دم كلّ من يقول كلمة (الحب) ومشتقاتها. ما خلقنا لنحب، بل خلقنا للسيف وللدم. هذه الكلمات هي فحوى خطبة أبي بكر البغدادي في الجامع النوري الكبير في مدينة الموصل العراقية.

المرأة لا تخرج من بيتها إلا لضرورة قصوى وحاجة ملحّة، غير متعطرة أو متبرجة، لا يُرى منها لا ذا ولا ذا – الكف والوجه – متشحة بالسواد، هذا ما نصّت عليه وثيقة المدينة التي أعلنها أتباع البغدادي في أول خطبة جمعة ألقوها في مدينة الموصل.

يُعلن الحداد على الحب في المدينة، وكلٌّ يبكي على ليلاه، حقيقة لا مثلًا يُضرب. تلك المدينة التي عاش في كنفها العشاق والمحبون، وكم من عاشق سقط مضرّجًا بدم الحب في سوح غرامها. اليوم لا حب ولا محبين، لا عشق ولا مغرمين، كلّ ذلك باسم المتدينين.

سارة ما زالت روحي معلّقة بك، مثل نور احتضن فراشته التائهة.. منذ طفولتي وأنا أبحث عنك في عيون كلّ امرأة عشقتها. سارة.. ستظلين أنت وحدك في كلّ محطات حياتي.. وجدتك، ولم أجدك.. ما زلت أبحث عنك.. وسأظلّ أبحث عنك، سأنبش ذاكرتي سأفرغ قبور أوقاتي سأحفر أيامي كلّها، سأنقشك في تشظياتي.. سارة.. فراشتي.. هكذا نجد بروفيسور الأدب العربي سالم محمد الغزولة ينتحي من المدينة مكانًا قصيًا ليُعلن بيان الرفض والاستنكار بوجه عصابات الظلم والجهل والتخلّف.

عطب الذاكرة. الرواية الأولى للدكتور الغزولة، جاءت في اثنين وتسعين صفحة من ورق الحجم المتوسط، جاءت ردًّا على كلّ من قال أن المدينة لا حبّ فيها، جدولٌ لا ماء فيها.

لو رأك رجال الخليفة تحمل كتابًا أو تضعه في بيتك مهما كان موضوعه فالسيف أولى برأسك، فما بال من يكتب رواية عن الحب في زمن الخليفة الأسود. شجاعة بالغة، ومخاطرة كبيرة قرر الكاتب أن يكون أول مدافع عن قيم الحب والإنسانية وعن أهل المدينة المحتلّة. والتي لا تعرف سوى الصفاء والنقاء الذي ظلّت محافظة عليه رغم المآسي والنكبات التي حلّت بها، لكي تعرف الموصل وأهلها، بأقضيتها وقراها، بتناقضاتها وتآلفاتها، باختلافاتها واتفاقاتها، بنفسيات سكانها، بأفراحها وأحزانها، اقرأ: عطب الذّاكرة.

خرجت من الجامعة والناس يملؤون الشوارع زرافات ووحدانًا يمشون كل في وجهته يبغي الوصول إلى بيته، خفّت حركة السيارات حتى إنّك لا تكاد ترى سيارة واحدة في الشارع الناس وحدهم يوحون بوجود رمق حياة في هذه المدينة الميتة.. هذا ما حدث ظهر يوم الخميس 6 يونيو (حزيران) 2014، شخصيًا كنت بنفس المكان الذي تحدث عنه الكاتب وسرت مع حشر الناس هذا سراعًا. ولأن المرضعة أذهلت عن ما أرضعت لم ألتفت أو أبحث عن سارة وقتها، رغم معرفتي الشخصية بالكاتب، لكنت يومها شاهدًا على قصة حبّ سطّرت في ديوان المحبين والعاشقين؛ فالحظ العاثر قرر وقتها أن يتحالف معي حتى قبل أن يظهر ذلك الجنون في المدينة.

رواية ضمت بين جناحيها خمس فصول (رماد الفراشة) و(وهج السنوات الضائعة) و(وخز الأحزان) و(عالم على بوابات الوهم) و(وجع الشتات)، سابقًا إياهم بفصل، دون عنوان اعتذر فيه منا، واعتذر فيه لنفسه. مصيغًا فيه مشاهد من أيام الطفولة وبدايات فتوحات الحبّ العظيمة.

عام كامل وأنا أحترق شوقًا للمثول أمام محرابِ عينيكِ، للوقوف بإجلال بكلّ صمت أمام قوامكِ القتّال.. ألم تعلمي أنّ الصمت في حرمِ الجمالِ جَمالُ؟ ألم تعلمي أن نزار قبّاني شرّع سنن الحب الجديد؟ لا بدّ أنّكِ بريئة إلى الحدّ الذي يهوي بكِ الحب إلى مجاهل الطفولة العمياء، أنتِ نقية لم تعيشي الحبّ بعد، هكذا عاش العاشق وهو عينة من العشاق الذين عاشوا أيام القتل والإرهاب والدّم. لم يمنع الوصل ابن العم أو القبيلة أو الواشين والعذّال، ولم تبرز حبيبته من خلال السّجف ناظرها وترنو إليه ودمع العين ينهمل، ولم تودّعه محاذرةً أعين الواشين فانصرفت تعضّ العُناب بالبرد كما فعلت معشوقة ديك الجن فكانوا كلهم في ترف الحب ونعمة الوصل قياسًا بما عاشه المحبّون داخل أسوار المدينة الجهنمية. بل نراها آتية خذول تُراعي النبت مشعرة ذُعُرَ خافت نميمة حليّها تداري على المشي الخلاخيل والعطرَ.

وبعد أربعة أعوام على حبّه لأنيسة يلتقيان داخل أسوار أرض الخلافة المزعومة، جاء الغد.. وأنا أرقبُ خطاكِ الهادئة تتجه نحوي، لم أعد أفرق بين جميع النساء فكلهنّ متّشحاتٍ بالسّواد، لكنّ شيئًا في عينيكِ يشدني اليكٍ، لم أجده في عيون الأخريات، هذا ما يسمّى الانتحار في زمن الخلافة، هذه هي المغامرة التي تشكل نسب النجاح فيها من الضالة ما لا تشكّله في سواها.

عرفتكِ من بريق عينيكِ الساطع من وراء الأفق البعيد، حبيبتي، استقبلتكِ بكلّ ما أوتيتُ من شوق مكبّل، أردت أن أحتضنكِ… لا يا حبيبي أخشى أن ينتبه علينا أحد ما.

لا تخافي أنيسة ارفعيه بسرعة، التفتت يمنةً ويسرة لم تجد أي أحد قريب منّا، أشاحت الخمار عن ملامحها الأخّاذة، نور غير معهود على وجهكِ البري سرقني منّي. يأخذنا الكاتب في جولة مع حبيبات عدّة ومرجعهنّ واحد يدورون في فلكه، سارة.

ولشكواه ونجواه بثٌّ حتى فرنسا لتقع موقعها في صفحة الروائي واسيني الأعرج فيرسل له كاتبًا: الكتابة وجع الوجود. كان هذا آخر تعليق لصديق الصفحة الدكتور سالم ذنون، الأستاذ بقسم الأدب في جامعة الموصل. قبل أن يصمت مع بداية الأحداث الدموية التي عصفت بمدينته. افتقدته الصفحة وافتقده أصحابه في هذا الفضاء لأنه كان حاضرًا بقوة، آثاره اليوم موجودة في أرشيفنا وحضوره أبعد من أن يطاله النسيان… لا يكاد يخلو منشور للصفحة من توقيعه بمروره. لا أخبار عنك اليوم يا صديق، ولا عن أبنائك الثلاثة الذين كنت مولعًا بنشر صورهم وهم يلعبون أو يبتسمون بهدوء كما نراهم على غلاف حسابك الخاص. صلواتنا نرفعها لأن يحفظك الله وعائلتك من كل سوء، وأهل الموصل جميعًا وان نسمع عنكم أخبارًا مطمئنة عما قريب. واسيني الأعرج.

فرواية (عطب الذاكرة) ليست رواية رومانسية فحسب، فهذا رأي من لم يغُص في أعماق العمل، بل هي حكاية مدينة، حكاية بشر، حكاية مجتمع وظواهر حياتية، كُتب على كاتبها أن يعيش كلّ تلك المآسي والأحداث والخيبات الكثيرة، والانتصارات القليلة، فقوله واضح جليّ، الكتابة وجع الوجود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد