وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِيــــــــاءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَــــــهُ

لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَـــــــــــــراءُ
وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ

وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديـــــــــعُ رُواءُ

في اللَوحِ وَاسمُ مُحَمَّدٍ طُـــــغَراءُ

أخذ بعد عودته من حجة الوداع يراقب أصحابه بكثرة ملازمته والجلوس معه، قبل أن يحرموا ذلك، حتى قال لهم يومًا: والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من نفسه وماله، فبكى أصحابه، رضوان الله عليهم، وبدؤوا يستشعرون أن حبيبهم بدأ يودعهم، وفي أواخر الأيام خرج إلى أُحد على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، فلما رجع انصرف إلى المنبر فقال: يا أيها الناس إني فرضتكم. وإني شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتح خزائن الأرض، إني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم من الدنيا أن تنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتكهم، كل هذه العبارات دلائل ومؤشرات إلى قرب الأجل والنهاية التي لا بد منها لكل كائن كان، فالكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت.

وفي جوف ليلة من الليالي الأخيرة في حياته أيقظ مولاه أبا مويهبة وقال له إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع؛ فانطلق معي، فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم يا أهل القبور كيف أصبحتم؟ وكيف أصبح الناس؟ أقلبت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل على أبي مويهبة فقال: إني قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقال أبي مويهبة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، خذ مفاتح الدنيا والخلد فيها والجنة، فقال: لا والله لقد اخترت لقاء ربي، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف بعد أن قال لهم إنا بكم لاحقون.

وبعد رجوعه من البقيع بدأ وجعه الذي قبض فيه، فدخل على عائشة ووجدها تشكو صداع في رأسها وتقول وا رأساه، وا رأساه قال: بل أنا والله يا عائشة، وا رأساه، واستمر معه المرض ثلاثة عشر يومًا، والمرض يزداد عليه يومًا بعد يوم زيادة في التشريف والتكريم، تقول عائشة، رضي الله عنها: كنت كثيرًا ما أسمعه في أواخر اي٥امه يقول: إن الله لم يقبض نبيًّا حتى يخيره، بل الرفيق الأعلى، فعلمت أنه يخير، فقلت إذن لا يختارنا، اشتاق إلى لقاء ربه، كما اشتاق ربه إلى لقائه.

في أيام مرضه مر أبو بكر والعباس على مجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال لهم أبو بكر: ما يبكيكم فقالوا: ذكرنا مجلس النبي، صلى الله عليه وسلم، من بيننا ودخل أبو بكر على النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك فخرج إليهم معصوب الرأس يهدأ بين علي والفضل تخطو قدمه في الأرض، صعد المنبر في آخر مرة في حياته، صعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك، صعد المنبر وارتقى في سلم العبودية حتى وصل إلى سدرة المنتهى يوم أسرى به ربه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

 أسري بك الله ليلاً إذ ملائكـــــــــــــــة

والرسل في المسجد الأقصى على قدم

لما خطرت به التفوا بسيدهـــــــــــــــــم

كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلـــــمَ

صلى وراءك منهم كل ذي خطـــــــــر

ومن يفز بحبيب الله يأتمــــــــــــــــــــم

جبت السموات أو ما فوقهن بهــــــــــم

على منورة درية اللجـــــــــــــــــــــــــم

ركوبة لك من عز ومن شـــــــــــــــرف

مشيئة الخالق الباري وصنعتــــــــــــــه

وقدرة الله فوق الشك والتهـــــــــــــــــم

صعد المنبر بأبي هو وأمي ليرد الحقوق، ويعلن للبشرية الجمعاء أن أكرمكم عند الله أتقاكم، صعد المنبر أمام الناس فنظر إليهم ونظروا إليه واشتد البكاء في المسجد قام متوكئًا على خشب المنبر، حتى المنبر يبكي، وقال: يا أيها الناس من ضربته، ومن أخذت له مالًا، هذا مالي فليأخذ منه، من ضربت له جسدًا، هذا جسدي فليقتص منه اليوم قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، فقام عكاشة بن محصن أمام الناس قائلًا: يا رسول الله أما أنك قد طلبت القصاص منك، فأنا أريد أن أقتص منك؛ ذلك أنك كنت تسوي الصفوف يوم بدر طعنتني بعصاك فآذيتني، وأنت عرضت نفسك اليوم للقصاص، فقام علي، رضي الله عنه، أنا في القصاص فداءً له، كيف لا يكون له فداء وهو الذي قال بأبي هو أمي لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.

فدًا لك من يقصر عن نـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداك
فما شهم إذادن إلا فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداك
أروح وقد ختمت على فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــؤادي
بحبك أن يحل به ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواك
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى

فقال صلى الله عليه وسلم: لا يا علي بل يقتص مني، فأمر بالعصا التي كانت معه يوم بدر، فأوتي بها، فرفعها عكاشة بيده، واتجه نحو المنبر، ارتفع صوت البكاء في المسجد، موقف من أشد المواقف وأصعبها على أصحاب محمد حبيبهم في مرض شديد، وصحابي سيقتص منه أمام الناس على منبره، فلما وصل عكاشة إلى المنبر ألقى العصا من يده ثم ضم الجسم الشريف ومرخ وجه في وجه النبي وبكى بكاءً شديدًا وهو يقول: جسمي لجسمك فداء؛ فضج المسجد بالبكاء.

أوصى عل منبره وصايا منها: أوصيكم بالأنصار، ثم حذر الأمة من اليهود والنصارى، ثم أوصى الأمة بالصلاة فهي الصلة بين العبد وربه، وقرة عينه الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم، ثم نزل من على المنبر ولم يصعد عليه مرة أخرى بكتك المنابر كلها بأبي أنت وأمي يا رسول الله، رد الحقوق ورد المظالم، وبدأ يستعد للقاء ربه؛ فدنت ساعة الرحيل اشتد عليه الوجع وزاد عليه الألم، وفي فجر يوم الاثنين الذي قبض فيه وبينما المسلمون يصلون صلاة الفجر إذ انكشف الستار الذي على بيت عائشة ورأى الصحابة حبيبهم، رأوه متبسمًا وجهه كالقمر، كيف لا يتبسم وصفوف المسلمين متراصة متكاملة في صلاة الفجر، فضحكت وقلت: كيف لو رأى النبي صفوفنا في صلاة الفجر اليوم! نظر إلى أصحابه نظرة وداع أخيرة، وما كشف هذا الستار بعد ذلك إلى اليوم، كاد الصحابة يفتنون في صلاتهم ظنوا أن حبيبهم قد برأ من المرض، وهو على وشك الخروج للصلاة معهم، فأشار إليهم بيده متبسمًا أن أكملوا صلاتكم، وأسدل الستار، وكانت آخر نظرة، وآخر ابتسامة صلاة ربي وسلامه عليه، ودخلت عليه فاطمة، رضي الله عنها، وقالت: واه كرب أبتاه واه كرب أبتاه، وقال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم، وقال لها: إنك أول أهل بيتي لحوقًا بي في الجنة، ثم دعا الحسن والحسين فقبلهما وذكرهما ووعظهما، ثم دعا أزواجه ووعظهن، ثم دنت لحظات الاحتضار، وفي آخر لحظاته دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده السواك؛ لعلمه أن حبيبه يحب السواك، ثم ذاد الوجع والعرق، وثم قال: لا اله إلا الله لا اله إلا الله، أن للموت سكرات، تقول عائشة: ما رأت الوجع على أحد أشد منه على النبي، صلى الله عليه وسلم، ورفع يده مشيرًا بالسبابة وشخص بصره نحو السقف وقد التفت حوله ملائكة الرحمن لتشييعه إلى الملأ الأعلى للقاء ربه، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، قالها ثلاثة ثم مالت يده، وهدأت أنفسه، وسكت قلبه، وخرجت الروح إلى باريها، مالت أطهر يد، وهدأت أذكى الأنفاس، وسكت أعظم قلب، وخرجت أطهر وأذكى روح فإنا لله وإنا إليه راجعون فإن لله وإنا إليه راجعون لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، وعظم الله أجري وأجركم اللهم أجرنا في مصيبتنا خيرًا يا رب العالمين.

وأظلمت المدينة على ساكنيها عبر أنس عن هذه المصيبة فقال: والله ما رأيت أجمل ولا أحلى من هذا اليوم الذي دخل فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة فقد أضاء فيها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما إن تسرب النبأ الفادح والمصاب العظيم حتى طاشت عقولها وأظلمت الدنيا، فلما دفن قالت فاطمة لأنس: يا أنس يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحفو التراب على رسول الله، قال والله ما طابت ولكن أرغمناها رغمًا، أما عمر فقد استل سيفه وقام يحلف للناس بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وسيرجع كما رجع موسى، ويقطعن أيدي رجال ونساء زعموا أنه قد مات، في تلك الساعات ابتلي المسلمون ابتلاء عظيمًا، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، إنها مصيبة عظمى وخطب جلل، أنه قد مات سيد ولد آدم خير من صلى وصام وخير من عبد رب الأنام، لكن الله ثبت الأمة فــي شخص أبي بكر، رضي الله عنه، خليفته وصاحبه في الغار.

اللهم أنعم علينا برؤية رسول الله

اللهم، أوردنا حوض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واسقني من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا، واتمم لنا بالنظر إلى وجهك الكريم وإنك نعم المولى ونعم النصير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد