لماذا يعاني أكثر أفراد العالم من الوحدة رغم كثرة سكانه؟ لماذا نشكي وحدتنا لبعيد ونحن بين أهلِنا؟ لماذا نكتفي باحتضان غيرنا عبر أجهزةٍ إلكترونية؟ لماذا نفيق ليلًا محتاجين؟ ولماذا أول ما نمسك به حينها هو جهازنا الخلوي؟ نبحث بين متصفحاته عن صديقٍ لنقول له إني متعب! لماذا لا يكون الأبوان هما أول من نلجأ إليه رغم أنهم في الغرفة المجاورة؟ من صنع هذا الحاجز بين الآباء وأبنائهم، ومن أوجدَ هذا الفراغ العاطفي في نفوسهم؟!

لماذا نسمع كثيرًا عن قصصِ حب، عشق، فشل، وجع، حاجة، بكاء،.؟ لماذا يسعى الكثير إلى لفت الأنظار وإثبات الوجود؟ لماذا ولماذا؟

بدايةً فإنه عندما لا يرغب الطالب في حل واجباته المنزلية، فهو لم يتعمد ذلك، فلا تلوموه، بل لوموا مُدرِّسه الذي صنع هذا النفور من المادة. وعندما لا يتحمس العامل لعمله لا تلوموه بل لوموا مديره الذي أوجد هذه الرتابة. فالابن عندما لا يلجأ إلى أبوَيه، لا تُوقعوا اللوم عليه فهو لم يجد اهتمامًا منهم يجذبه إليهم ويقرّبه منهم.

فاعلم أيها القارئ أنه عندما تنجب طفلًا أنكَ السبب الأول في مجيء روح جديدة إلى العالم، وهذا أمرٌ عظيمٌ جدًا وإن رأيته شيئًا روتينيًا.

لذلك فإنكَ المسؤول الأول عن تلك الروح،أنت المسؤول الأول عن فشلها، أنت المسؤول الأول عن حزنها، أنت المسؤول الأول عن حاجتها، شعورها بالنقص، أنت المسؤول عن كل ما يخص أبناءك، وهنا أنا لن أتطرق في حديثي عن ضرورة توفير احتياجاتهم المادية كاملةً، فهذا أمرٌ مفروغ منه.

إنما أريد التحدث عن أمر أكثر أهمية ويغفله الكثير من الآباء والأمهات وهو ضرورة الاهتمام بالجانب النفسي لهم. النفس البشرية بحاجة كبيرة للآخرين، بحاجة لمن يحتويها، ويعززها ويرعاها ويسندها. وإن لم تجد هذا الاحتواء من الأهل فمَنْ سوف يمنحها إياه؟ لا أحد، وستبقى تلك النفس تائهة تبحث عن مأوى بين هذا وذاك، وستُخذل في النهاية.

إنكم إن علّمتم أولادكم الدين الصحيح وعرّفتموهم على الله بشكل صحيح، فقد كفيتموهم ذلك، وذاقوا لذة القرب من الله ومُنحوا سكينةً منه وأَمنًا. ولكنّ أكثر الآباء يجهلون حلاوة الدين الصحيح؛ فكيف سيعلمونه لأبنائهم! وإن أغلب ما نراه وفي ظل هذا التقدم التكنولوجي الهائل أن الأهل يحضنون أبناءهم في سنيهم الأولى، يداعبونهم، يعززوهم، خطوة بخطوة عند المشي، حرف بحرف عند النطق.

ولكن عند بلوغه المدرسة يسلكون معه مشوارًا باتجاهين لا ثالث لهما، يبدأون فيه بالشدِّ عليه في الدراسة، يزجرانه، يحفزانه للحصول على أكبر قدر من العلامات، فالتحصيل الدراسي أكبر هَمهم، وهُم إن سألوا عنهم يسألون في هذا الجانب وفقط. أما إن سمحوا لهم بـ(بريك) فتجدهم يلقون له (الآيباد) وغيره من الأجهزة الإلكترونية، ويذهبون.  –لحظة، إلى أين يذهبون؟- إلى أجهزتهم أيضًا!

يكبر ويكبر وقد تعامل مع جهازه أكثر مما تعامل مع والديه، يكبر ويكبر وفي داخله قصص كثيرة وأسئلة أكثر، يكبر ويصبح مراهقًا ويترُكانه يشاهد الأفلام و المسلسلات التركية والهندية وغيرها من الدراما التي تبالغ في الجوانب العاطفية، فيتولد لديه فراغ لا أحد مالئه.

أيها الأباء، أيتها الأمهات، احضنوا أبناءكم، الكبير قبل الصغير، الذكر قبل الأنثى، فالأولاد أيضًا بحاجة إلى حضنٍ دافئ؛ فلا يغرّنكم ما يُظهره الشاب من خشونة أو ما يُبديه من رجولة. تقربوا إليهم، اسألوا عن أحوالهم كل يوم، استمعوا إليهم، عززوا أفكارهم وإبداعاتهم، وأظهروا إعجابكم بالقول والمديح،كي لا يركضون عطشى وراء أول من يقدّرهم ويُشعرهم بقيمتهم، كونوا أنتم أول وآخر من يركضون إليه، فأنتم أََولى بهم.

أشعروهم بحُبكم لهم وعطفكم عليهم، عانقوهم كل صباحٍ ومساء؛ فان الحضن يلغي الحواجز ويقرب المسافات. اعقدوا الاجتماعات بينكم؛ أقلها اجتماعكم في موعد الغداء كل يوم على مائدة الطعام، ولا تستهينوا بأثر ذلك على نفوسهم وما يدخله من شعور بالقوة والاستقرار لديهم، فإياكم أن تهملوا تلك العادة و تتركوا موائدكم مجلسًا للغبار.

تحدثوا إليهم كثيرًا، خصصوا وقتًا للرحلات والحفلات، لتقضوا أكبر قدر من الوقت معًا، ولا أعني في ذلك أن تمنعوا عنهم الأجهزة الإلكترونية والإنترنت بل خصصوا وقتًا لها، وقتًا لا يسمح لتلك الأجهزة بأن تأخذهم من أحضانكم لأحضانها. فالأبناء ثروة كبيرة، تمسكوا بها.

نهايةً لا تدخروا لهم الأموال، بل اصرفوا تلك الأموال في تعليمهم وإكسابهم مهارات تُمكنهم من جلب الأموال بأنفسهم وتمنحهم القدرة على التصرف السليم فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد