ملامح الابتسامة لم تغب لحظة عن وجهه المرح. الحزن أيضًا لا يكاد يخفى على ناصية ذلك الرجل. الذي يعيش على أمل مفقود ليعيد تاريخ شبابه. فتاريخه المليء: بالقوة والشجاعة، ها هو ينظر إليه فيراه تاريخًا متوقفًا بألبوم صُوَرِه الشخصية.

الحرب تفرض على المواطن أن يفدي نفسه للوطن؛ ويتنازل عن أعضاء جسمه فداء لوطنه، ودفاعًا عن أهله وعرضه، فهو يقدم نفسه في ساحة المعركة لكي يموت ويعيش الآخرون؛ لذا فالجنود هم شهداء الأمة وحراسها وأبطالها.

ثورات الربيع العربي كما تم الاصطلاح عليها في المعجم السياسي، هي ثورات سلمية في بدايتها وطبيعية وكانت نتاجًا تاريخيًّا لسنوات طويلة من القمع والظلم؛ الذي مارسته الحكومات العربية المستبدة على الشعوب العربية المضطهدة.

فشعوب المشرق والمغرب يتعرضون للسياسة القمعية نفسها، مع اختلافات بسيطة في شكل السلطات، مما جعل المشاكل تتفاقم بين الشعوب العربية؛ لذا كانوا يبحثون عن التغيير السياسي في ظل الربيع العربي المبعثر والدموي.

وأي تغيير سياسي يحتاج إلى قطع الرؤوس وضرب الأعناق، لأن الأنظمة السلطوية لا تأتي إلا بالدماء ولا ترحل إلا بالدماء؛ والتاريخ السياسي مليء بمثل هذه الأحداث، وطبيعة الأرض وفلسفتها التاريخية والحضارية تؤكد ذلك نظريًّا ولكن عمليًّا أمر محال.

ولسنا في صدد تحليل ثورات الربيع ووضعها ضمن سياقها التاريخي السياسي، إنما ذكرنا ثورات الربيع العربي لأن الشخصية التي نتحدث عنها كانت ضحية من ضحايا الحرب؛ التي بسببها خسر صديقنا قدمه.

الحُب بعد الألم يأتي بمعجزات في العشق، وقبل أن يزور الحب قلب أي إنسان فإنه يمر بمراحل لطيفة هي أقرب إلى خيالات الحب التي يلمسها المُحب في وجه الفتاة التي يهواها قلبه؛ والحب لا يتم التعبير عنه باللغة فقط؛ بل هناك معاني أعمق في النظرات وتبادلها بين المُحب ومحبوبته، إذ نلمس من تلك النظرات أملًا في الحب وانكسارًا فيه، وهو ألم لا يمكن للغة أن تعبر عنه، فهو فوق الحواس ولكن لا يفهم إلا بواسطة الحواس، ويكفي فهم النظرة.

«آشمالار» منطقة هادئة تقع في أقصى الطرف الآسيوي، ويوجد فيها مركز للعلاج الفيزيائي. وهناك مريض فقد قدمه اليسرى في الحرب، وأشرفت عليه معالجة شقراء هي من تقوم ببرنامجه العلاجي.

ويبدو أن التعود هو السر الأول من أسرار المشاعر الإنسانية التي تأتي معها أحاسيس لطيفة تشبه نسيم الصبح الذي تشرق بعده شمس الحب على القلب، لتنطلق بأشعتها نحو شغافه وعروقه فيأتي: الحب.

ولكن مشاعر الإنسان معقدة، والمرأة أكثر تعقيدًا من ذلك، والمشاعر أكثر تعقيدًا وصعوبة من الجميع.

نظرت إلى صديقنا هذا وهو على العربة المتحركة جالس بقدم واحدة؛ ونصف قدمه اليسرى مبتور وهو بشوش في جميع الأحوال وراض بقضاء الله وقدره.

وتقابلت معه وهو ينظر إلى الفتاة الشقراء ويبتسم لها؛ ويعلم الله أنني قد فهمت تلك الابتسامة قبل أن تفهمها الفتاة الشقراء أو تشعر بها، فهي ابتسامة يائسة وتحمل معاني الحب والجمال وأسرار القلب.

وهي ابتسامة أشبه بعلامات التعجب بعد الجملة الغامضة، وهي ابتسامة تبحث فيما وراء الجمال الحسي إلى الجمال الروحي، بل هي ابتسامة توحي لك فلسفة الأنثى وكبريائها وتناقضها.

أيعقل أن تقع هذه الفتاة الشقراء من سلالة يونانية في غرام رجل عربي من شمال أفريقيا مبتور القدم؟ ولكنه شجاع حقًّا وفقد قدمه في سبيل تحرير وطنه     والدفاع عنه لذا خسر هذه القدم؛ فهل تعي الفتاة ذلك؟

عجبًا لهذه المشاعر التي لا تكون إلا لمن لا يقدرها؛ وآه من الأنثى وتناقضاتها فيما يتعلق بالحب والجمال وفلسفتهما؛ ولا أتوقع بأن فتاة في جمالها ستصبو إلى رجل بهذه القوة والشجاعة والرجولة والسماحة والأخلاق والروح الجميلة ولكنه بدون قدم يسرى.

ولو جعلنا حقيقة غير التي عليها الزمن وأعدنا الصورة التي كان يحملها هذا المريض قبل أن يصاب في الحرب فهل هذه الفتاة كانت ستقع في حبه وهو بقدميه؟

لست متأكدًا من قرار هذه الفتاة، ولكنني متأكد من أمر واحد وهو أن هذا الرجل المصاب هو ملياردير ولو علمت الفتاة ذلك لما همها القدم الأخرى لأن المال يحل جميع المشاكل ويجبرها على التغاضي عن القدم.

إني أهديك قدمي اليسرى فخذ بها أيها الشجاع وليتك تعلم بأن قدمك تساوي الكون كله، لذا وجدناك من الصابرين ونسأل الله لك الشفاء.

*كان المطر يهطل ببطء شديد، وكان وجه الفتاة بريئًا ووجه الرجل مبتور القدم أكثر براءة منه ولطفًا وسأكتب في الجزء القادم عن شكل الفتاة والحوار الذي دار بينها وبينه، وكيف نستخلص منه الحب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد