مشكلة الإلحاد في العالم العربي أنه يفتقد إلى جانبه الفكري والإنصافي والمنهجي.. هو أشبه ما يكون بحالة الفوضى والاضطراب منه إلى العقلنة والعلم، أشبه ما يكون إلى حالة تمرد الأطفال على والدهم دون وعي حقيقي.. ويمكن أن نقول عن مثل هذا النوع من الإلحاد “الإلحاد أو التمرد على الواقع” وليس الإلحاد عن البحث والدليل والإنصاف (حتى وإن ادَّعى الملحدون العرب ذلك فهم يستعيرون عقول الملاحدة الغربيين وكتبهم فقط).. أصبح اليوم الإلحاد موضة والعرب يقلدون في كل شيء سواء التقليد في الدين أو الإلحاد، ويقوم البعض بنشر كتابات الملحدين وأقوالهم مع نشرة علمية طبعا لكي يظهر أنه إنسان علمي وليس فلسفيًّا وهو أصلا لم يبحث مثلهم ويعاني بالفكر والبحث ولكن شكوكه وواقعه القاسي قاده للإلحاد.. أخذوا ثقافة المعلومة فقط والترديد وراء الآخرين وتركوا ثقافة التساؤل والتفكير والبحث..

كيف يكون الإلحاد عن الواقع؟

بعد موجة الإرهاب وتجربة الإسلام السياسي وأخطائه الكارثية، والظلم وسنوات من العزلة والجهل والكبت، ومنطق الغاب؛ بدأت تظهر هناك ردات فعل عنيفة ضد ما هو موجود خاصة من الفقراء والمعدومين وأصحاب العقلية السطحية ومن تضرر منهم من هذه الأحداث على أمل إحداث نهضة تتجاوز الواقع الضحل أو اعتناق فكر يجد غايته ورغباته فيه.. حتى أصبح البعض يشكك من هول المصائب أين العناية الإلهية؟ في حين لم يستطع المشايخ التقليديون الإجابة بشكل مقنع، فهم منشغلون بصغائر الأمور.. فكان الإلحاد إحدى ردات الفعل هذه ووجد الملحدون مبتغاهم بهذا الواقع وأخطاء المتدينين والمشايخ والغلاة كمادة يعملون عليها لنشر أفكارهم، خاصة بعد موجة الإرهاب والقتل بعد الثورات العربية والطائفية ليقولوا لنا هذا ما يقدمه الدين لكم وذاك ما قدمه الإلحاد للغرب!

ونتيجةً لسنوات من الجهل والنكبة والانكسار والهزيمة الفكرية، ظهر علينا شيوخ الجهل يعملون بمنطق الوصاية الإلهية يقابلون الإلحاد بالنكران والتكفير، ويكفرون هذا ويشنعون الأفكار المضادة، ويحظرون الكتب المخالفة ولا يقابلونها بالنقد والاحترام والنقاش، وهم لا يدرون أن هذا سينعكس كله على الأجيال القادمة، لم يتعظوا مما حدث للكنسية في الغرب فيما سبق حتى أدخلوا الدين في كل صغيرة وكبيرة في الحياة مع عدم اختصاصهم فيه، كمن تحدث بالأمس عن عدم دوران الأرض حول الشمس، والآخر ينسب الاكتشافات إلى وجودها في القرآن على أن القرآن لا يُعرِف نفسه على أنه كتاب علمي. فثقافة المعلومة هي السائدة في مجتمعنا حتى لا تكاد تجد من “أغلب” الكتب الدينية شيئًا فيه تجديد سوى نهش جملة من هنا وهناك وتحشية الكتاب الجديد لينتج عندنا “علماء مستنسخون”.

كما نقول دائما بما أن هناك إيمانًا مفلسًا وهو إيمان المقلدين فقط، وإيمان المترسخ وهو إيمان المجددين والباحثين الواعين، كذلك يوجد إلحاد المقلدين الذين يعتبرون ببغاوات دون فكر معين وآراء، ويوجد الإلحاد المترسخ عن فكر يمكن مناقشته، فالتقليد يقود للكسل وعدم التساؤل، فالبعض قرر السير على خُطى الغربيين في انتقامهم من الدين كما انتقم بعضهم من الكنيسة بعدما فعلت الكنسية بغاليليو وزملائه ما فعلت.

فكرة الإلحاد بمفهومه #الفلسفي موجودة من زمن أفلاطون وفلاسفة اليونان (فيها حديث كثير وتصنيفات لا أحب التطرق إليها لأنها تحتاج الكثير من التوضيح ولكم أن تقرؤوا عنها) وكانت تتماشى مع الحضارات بشكل طبيعي وتُناقش، ولكن لم يعرف عنها مدارس ومنهج كما يظهر الآن, الإلحاد بمفهومه الحديث #العلمي ظهر مع بزوغ الثورة العلمية حديثا وبدأ في بدايته أيضًا بدافع الانتقام من الكنسية من قبل البعض وليس الكل. ثم تطور إلى منهج يعتنقه الناس والعلماء..

  • بعضهم اعتنقه بدافع الانتقام كما أسلفنا.
  • البعض الآخر بدوافع شخصية للتخلص من ما يسميها “فروض وقيود الدين”.
  • وآخرون اعتنقوها بعد بحث ودراسة مستفيضة وانتهوا إلى عدم الاقتناع بوجود الله (هؤلاء تقريبا هم الأكثر إنصافًا وإيجابية من البقية) ويُعرف هؤلاء بـ”اللاأدرية”.
  • وآخرون اعتنقوا الإلحاد عن شك ومن ثم ساعدت الظروف والوقائع هذه النظرة وغذتها، فهؤلاء لم يبحثوا أصلا ويدققوا لأنهم في الأساس لديهم موقف مترنح ويعرفون بـ”الشكوكية”.
  • وأضيف نوعًا في “عالمنا العربي”، وهم الطبقة المعدمة والفقيرة والمتضررة وهم الفئة الغالبة من الملاحدة العرب (طبعا يوجد رموز مثقفة متصدرة المشهد ولكن قلة بالمقارنة) وبعضهم من الباحثين عن التقليد والحداثة والثقافة. فهؤلاء، وفئة كثيرة منهم من فئة الشباب، وجدت غايتها في الإلحاد بعد قراءتهم للأدب الغربي والنصوص وتأثرهم ببعض علماء الغرب الملاحدة الكبار بعد أن صغّر الإرهابُ، والمشايخُ الجهلة، والخطابُ الديني الضعيف، والواقعُ الضحل، ومشاكلنا الدينية، وبعضُ الموروث الخاطئ والكارثي، وعواملُ أخرى؛ الدينَ بنظر هؤلاء وساعدتهم وغذت وقادت أفكارهم بسهولة نحو الإلحاد، فهم لم يختاروا الإلحاد (هذا لا ينفي وجود فئة قليلة جدا ممن بحث فعلا ودرس واستنتج وانتهى إلى الإلحاد) عن بحث ودراية ودليل وإنما اختارهم الإلحاد.

فالبعض يقدم على هذه الخطوة كنزهة لا يقدر خطورتها ويدفعه الواقع تجاه هذه الأمور نتيجة للانهزام الفكري والمعنوي والانكسار الذي نمر به، حتى سلمنا أمرنا وعقولنا للآخرين ظنا منا أنهم الأجدر والأقدر، ونسينا أيضًا أننا أسهمنا وقدمنا نتاجات وحضارات متميزة جدا ولكن تذوب الحضارات ببعضها عندما تتدهور وتندثر وتلتهمها نتاجات حضارة أخرى أو حتى أفكار ومعتقدات أخرى.

لستُ بصدد الدخول بنقاش فلسفة الإلحاد مع الدين، لأن هذا متوفر بمؤلفات وكتب ضخمة ولكن من الخطأ إقحام العلم في مسألة وجود الله من عدمه لأن طبيعة العلم تقوم على المادة، فلا يستطيع العلم أبدا أن يقدم تفسيرًا للأمور غير المحسوسة، فالقوانين العلمية كلها تخضع للتجريب وخلافها تبقى نظرية. فبالأمس القريب تنبأ أينشتاين بوجود الموجات التثاقلية (الجاذبية) ولكن لم تكن شيئا محسوسًا يمكن قياسه فتركها العلم معلقة إلى أن تمكن من قياسها وتحسس وجودها وأعلن عنها.

لذا ليس من وظيفة العلم البحث بمسألة وجود الله ولكن الملاحدة دائما ما يحاولون الدخول عن طريقة الفلسفة كما قلنا إن للإلحاد شقه الفلسفي والآخر العلمي، فاليوم الملاحدة العلميون للأسف في حين أنهم لا يؤمنون بالفلسفة كثيرًا ولكنهم يدخلون من بابها ليخلطوا بينها وبين العلم، لأن فالعلم لا يعمل إلا على ديناميكية وميكانيكية المواد وترابطها أما قضية الله وما وراء الطبيعة فلا تدخل في مجاله. وهذا موضوع طويل وفلسفة مرهقة. فالملاحدة يجدون مبتغاهم عندما يعجز المؤمن عن الإجابة في حين أنهم يريدون أن يقدم المؤمنون الإجابة على جميع أسئلتهم والغاية من خلق كذا وكذا.

مشكلة الملاحدة العرب اليوم أن أغلبهم ألحد على أسس عاطفية نفسية لتوجيه ضرباتهم للدين، فترى حديثهم كله صوب الدين والاستهزاء به دون أي منهجية تذكر. وهذا بطبيعة الواقع الذي جعلهم يلحدون عنه وكرههم للعوامل التي أوصلتهم لهذا الفكر، وهو شيء خطير أن يتلاعب المرء بمصيره نتيجة لظروف نفسية وعاطفية وواقع سيء، وليس على أسس عقلية وفكرية. ويمكن أن تستشعر مدى بساطة وسطحية أفكارهم التي يطرحونها في حين أن الإلحاد في الغرب هو الأكثر نضجًا ووعيًا وقد يتعدى إلى كونه حالة إنسانية، اليوم في الغرب يحترمون كونك مؤمنًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإلحاد, الدين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد