الحمد لله الذي علمنا أن نحمد، والصلاة والسلام على خلاصة الأنبياء نبينا محمد، أما بعد:

لا شك أن لكل شخص منهجًا يسير وفقه، واختيار المنهج إنما يكون لكونه صالحًا، ونموذجيًّا، قائمًا على الاتباع، وقوة الأدلة التي تؤيد صحة المنهج.

ولكن عند اتباعك للمنهج ينبغي أن يلقنه لك مشايخ، وعلماء يقومون بتبسيط العلم وتيسيره ونقله لك؛ لكي تستوعبه وتفهمه، وهذا ما يسميه علماء الحديث بالسند، ومن هذا المنطلق يكون حريا بالمتبع لمنهج ما توقير العلماء وإجلالهم واحترامهم والأدب معهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في مواطن عديدة، ولكن توقير العلماء ليس هو الاتباع الأعمى الذي يدعو إلى تعطيل عقلك، والاكتفاء بالتقليد فقط؛ فيصدق فيك قول القائل:

لا فرق بين مقلد يقاد وبهيمة تنقاد

ويقول ابن عبد البر:

يا سائلي عن موضع التقليد * * * خذ عني الجواب بفهم لب حاضر

واسمع لقولي ودن بنصيحتي* * * واحفظ بوادري ونوادي

لا فرق بين مقلد وبهيمة * * * تنقاد بين جنادل ودعاثر

توقير العلماء وإجلالهم ليس معناه أنهم معصومون ولا يؤخذ العلم إلا منهم، فإلزام شخص ما باتباع نفر من المشايخ أو الدعاة ليس بالأمر اليسير، لأن البشر جبلوا على الاختلاف، فلا يمكن اتفاق الجميع على شيء واحد، قال تعالى: «وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ…» (سورة هود).

إضافة إلى كل ما سبق، نجد هذه الأمور قد تولدت بفعل العصبية، والانتصار للذات، ولو التمس بعضنا لبعض الأعذار لكانت أحوالنا أفضل، فمواطن الاختلاف هي قليلة جدًّا إذا ما قورنت بمواطن الاتفاق.

في بعض الأحيان تجد بعض المتعالمين من الذين يدعون العلم يلزمك بأخذ العلم عن شيخه، وإن خالفت شيخه فأنت فاسق، أو سفيه، أو منافق، أو حتى كافر.

ربط الدين بمشايخه فقط، فإذا قلت له فلان أفتى بكذا، يقول لك لا نأخذ بفتواه حتى أرى ما أفتى به شيخي، منح شيخ العصمة من الخطأ التي لا تنبغي إلا للرسل عليهم الصلاة والسلام، ومجمل القول إن جميع الفرق تقدس الأشخاص تحت مسمى أهل السنة والجماعة، أو الفرقة الناجية، فمن الفرق من يقدس الأشخاص ويرون عصمتهم، وأنه لا يحق لأي شخص الاجتهاد إلا في ضوء ما يراه شيخه، وهذا عين الجور والاعتداء على عقول الناس.

ومن تلك الفرق من يقدس الأموات، وهذا أدهى وأمر، فصار الدين متأرجحًا بين اثنين لا ثالث لهما، إما تقديس الأحياء والقول بعصمتهم، وعدم التعقيب على ما يقولون، وإما تقديس الأموات.

بينما إذا بحثنا في السير وفي تراجم الرجال العظماء الذين لهم قدم راسخة في العلم، نجدهم ضربوا لنا أروع الأمثلة في التواضع، والأدب في التعامل، كما نجد أنهم تراجعوا عن الكثير من الأشياء التي وجدوا أنهم أخطؤوا فيها، ولنا في الإمام مالك من هذا الكلام وهذه المعاني الشيء الكثير، فهو القائل: كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر.

والإمام مالك معروف بعلمه، ولم يفتِ حتى شهد له سبعون عالمًا من علماء المدينة، وقال عنه الشافعي: إذا ذكر الحديث فمالك النجم، لذلك لم نجد ممن عاصروا الإمام مالك من عظمه وغلا فيه ومنحه العصمة كما يفعل بعض الأتباع مع مشايخهم، نسأل الله السلامة والعافية.

وقد نهى رسول الله عن الغلو في الأشخاص حتى فيه هو عليه الصلاة والسلام؛ إذ قال فيما رواه البخاري: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم.

وقال في حديث آخر: لا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله وضعوني حيث وضعني الله، إنما أنا بشر.

والحديث في هذا الموضوع واسع، والله أعلى وأعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد