«أريد سماع آرائكم حول خطة العمل الجديدة، لن يتم تنفيذ شيء دون إرادتكم، آراؤكم ومقترحاتكم هي الأهم بالنسبة لي وللشركة».

بهذه الكلمات بدأ (عليُّ) – مدير القسم الجديد – اجتماعه الأول مع المنتسبين للقسم، قبل ذلك بأسبوع كان (عليُّ) يحاول استكشاف المكان، يسلم بابتسامة وحذر، يراقب عن كثب، فشهرته كانت تسبقه.

قبل ذلك بعامٍ في المبنى الرئيس اجتمع محمد -رئيس مجلس الإدارة- بالعاملين بنفس القسم للمناقشة حول بعض المستحقات، كان رد محمد قاسٍ، وأبلغهم أنَّ هذه سياسة الشركة، ومن لا يعجبه ذلك فليقدم استقالته، وهو الذي كان يتغنى قبل ذلك أنَّ رأس المال البشري هو الأغلى والأهم بالنسبة للشركة.

بدأ حضور الاجتماع بإبداء آرائهم في الخطة متوسطة المدى، والخطة قصيرة المدى، ووسائل التنفيذ، ومدير القسم الجديد يسجل كل ما يقال، ويكرر من فترة لأخرى أنَّ وجهة نظرهم هي الأهم، الكل مندمج في الاجتماع،  ويخرج أفضل ما لديه، اعترض أحد الحضور حول إحدى نقاط الخطة قصيرة المدى.

في مكانٍ آخر: لماذا اخترتك يا (عليّ) لإدارة هذا القسم؟

هذا القسم الأفضل إنتاجية بالنسبة لنا، الأكثر انسجامًا، المنتسبون به الأكثر خبرة، لكنهم يبدون وجهات نظرٍ مختلفة، يعترضون على الأمور التي لا تعجبهم، أريدك أكثر حدة معهم، لا تسمح بوجهات نظرٍ أخرى -حتى وإن كانت صحيحة- غير سياسة الشركة فقط.

كان ذلك ملخصًا مسربًا لاجتماع التكليف بين رئيس مجلس الإدارة ومدير القسم.

وعندما اعترض أحد الحضور في الاجتماع، كانت وجهة نظره أنَّ هذه النقطة في الخطة قصيرة المدى تم تنفيذها منذ خمس سنوات ولا تناسب الوقت الحالي.

وكأنَّما انقطعت وسائل الاتصال والإرسال بقاعة الاجتماع، ساد الصمت الجميع، توقف (عليُّ) عن الكتابة، اختفى الكلام الذي كرره عن قبول وجهة النظر الأخرى طالما صحيحة، وأصَّر على كتابة هذا البند ووجوب تنفيذه، بالرغم من كونه جديدًا على القسم.

وتلك كانت شهرته التي كانت شائعةً عنه قبل مجيئه للقسم.

«من غير المنطقي أن توظف الأذكياء ثم تخبرهم بما عليهم أن يفعلوه! نحن نوظف الأذكياء لكي يخبرونا بما علينا أن نفعله». (ستيف جوبز)

في بحثٍ أجرته جامعة هارفارد في علم الأعصاب بعنوان «تحيزات تؤثر في صناعة القرار»، كان البحث يدور حول خمس تحيزات نقوم بها في حياتنا، وكان التحيز الأول بعنوان:

«تحيزات التشابه» ويعني: «كل من يشبهني أفضل من غيره».

ويهدف لتفضيل المشابهين لك، ونبذ المختلفين عنك، سواء في النوع، أو العرق، أو الطبقة الاجتماعية، رغم أنَّ الأبحاث تؤكد أنَّ فرق العمل التي تتكون من أشخاص ذوي خلفيات مختلفة، ومتنوعة، هي على الأرجح التي تصنع أفضل القرارات وتنفذها بفاعلية.

«اضرب بعض الرأي ببعضٍ يتولد منه الصواب».   (الإمام عليّ)

الموظفون هم بيدق الشطرنج – أضعف قطعة في لعبة الشطرنج – يتحركون لحماية الملك، برؤى وتوجيهات الملك، بما يحقق الأمان للملك. إنَّها الديمقراطية الزائفة أو الديكتاتورية المقنعة التي تجعل أكثر مديري الشركات متحجري العقول في أسلوب الإدارة، ليس عنده استعداد نفسي لسماع وجهة نظرٍ أخرى، المدير يعرف كل شيء، يأمر فيُطاع، يتكلم فيُنصت له، حتى أصبحت الكثير من المؤسسات مثل الكهف المُغطى بخيوط العنكبوت، خاوية من الحياة، خالية من الروح والأفكار، إلاَّ روح الأشباح التي تسكنها.

وأصبحت أسرنا تُدار بنفس الشكل، الوالدان يميلان نفسيًا لأبنائهم الذين يسمعون لهما دون نقاش، وينفذون أوامرهما دون إبداء رأي، ويُشهِّرون بأبنائهم الذين يناقشونهما قبل تنفيذ الأمر، ثم يُصبح هذا الابن متمردًا في نظر جميع أفراد الأسرة، مما يدفعه لاتخاذ رد فعل تجاه هذه المشاعر ممَّا يؤثر في شخصيته في غالب الأمر.

وكما قيل في أحد القصص الخيالية «إذا أردت أن تُسقط شجرة، ما عليك سوى أن تحضر أهل القرية، وتوجهوا لها الشتائم، حينها، ستذبل، وتسقط وحدها». ولو كان الأمر بيد هذين الوالدين كما هو الأمر بالنسبة للمدير لقاما بفصل هذا الابن من الأسرة  كما يفعل المدير المستبد مع من يخالفه في الرأي.

«الاختلاف في الرأي ينبغي ألاَّ يؤدي إلى العداء، وإلاَّ لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء» … غاندي

قد يتيح المدير لمرؤوسيه الفرصة للمشاركة، مستعينًا بما لديهم من معارف، وخبرات، وإيجاد الحل المناسب، وقد يتخذ المدير قراره وحده ويُعلنه لجماعة العمل فتقوم بتنفيذه. وبين هذا النموذج وذاك، تختلف درجة المشاركة (الإدارة العامة: الأسس والوظائف)

 

في عام 2010 طلب عالم الأعصاب المعرفي «ريزا حبيب» من اثنين وعشرين شخصًا من المقامرين أن يرقدوا داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي ليراقب نشاطهم الدماغي، وانفعالاتهم، وأمامهم آلة لعب القمار تدور ويشاهدونها. كان نصف المشاركين من مدمني القمار لدرجة المرض(المجموعة الأولى)،  والنصف الآخر من لاعبي القمار ولكنهم لم يصلوا لدرجة الإدمان(المجموعة الثانية)، وكانت الآلة مبرمجة لتعطي ثلاث نتائج هي: الفوز، والخسارة، والقريب من الخسارة، سجل جهاز الرنين المغناطيسي عند المجموعة الثانية (المقامرين غير المدمنين) نشاط دماغي أعلى حينما أضاء زر آلة اللعب الخاص بالفوز، سجل جهاز الرنين المغناطيسي عند المجموعة الأولى(المقامرون المدمنون) نشاطًا دماغيًا أعلى وانفعالًا عند إضاءة زر الفوز، لكن المثير أنَّ دماغهم حدث به نشاط أعلى وانفعال عند إضاءة زر قريب من الخسارة أيضًا ليعطيهم شعور أنَّهم ما زال بإمكانهم تعويض ما فاتهم من خسارة بل وتحويل الخسارة لفوز.            «قوة العادات»  (تشارلز دويج).

وهذا ما أطلق عليه «ويليام جيمس» – من رواد علم النفس الحديث- العادة. وهي التي جعلت مدمني القمار ينفعلون دون وعي، ويزداد نشاطهم الدماغي عند رؤية زر الفوز مُضيئًا،  بالرغم أنَّهم  ليسوا في لعب حقيقي، وهي نفسها التي جعلت مدير القسم ينسى كل الكلام الذي قاله عن قبول وجهة نظرٍ أخرى بمجرد أن رأى اختلافًا مع وجهة نظره، وهي التي تجعل بعض الآباء ينفعلون عندما يناقشهم أبناؤهم في أمرٍ ما لمجرد سماع صوتٍ معارضٍ لهم.

وعندما يكثر هذا النوع من المؤسسات أحادية الفكر، وأحادية الرؤية،  ينشأ المجتمع أحادي النظرة: الألوان عنده أبيض وأسود فقط، التفاوض عنده مكسب وخسارة فقط، المواطنون عنده صالحون وفاسدون فقط، مجتمع ليس به وجهات نظر متعددة، ليس به ثقافة للاختلاف، وهو حال الكثير من مجتمعاتنا الآن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد