(1)

اليرموك – الزعتري

توجهت قبل كتابة هذه المقالة بالسؤال عن المقصود بهاتين الكلمتين إلى عدد من الأصدقاء، وبعضهم يعمل في مجال الإعلام، فلم أجد منهم ردًا، ومن خمن منهم ذهب ظنه إلى أن اليرموك تشير فقط إلى “موقعة اليرموك”، وأن الزعتري اسم محل عطارة في منطقة الحسين.

هذه نتيجة متوقعة في ظل نظام إعلامي لا ينظر خارج الحدود المصرية، ناتج بدوره عن نظام سياسي ينحسر دوره الخارجي تدريجيًا. فمن الطبيعي في ظل هذا الوضع، أن حتى متوسطي الثقافة لا يعرفون أن “اليرموك” هو أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وأن “الزعتري” هو ثاني أكبر مخيم في العالم يأوي اللاجئين السوريين في الأردن.

بمناسبة اليوم العالمي للاجئين الذي يحييه العالم يوم 20 يونيو من كل عام، أنشر رسالتين حصلت عليهما مباشرة من لاجئين سوريين، واحدة عن قصة يرويها صاحب الرسالة من داخل الأراضي المحاصرة في مخيم اليرموك، والأخرى، من رب أسرة سورية يحكي عن خروجه من “الأراضي المحروقة” إلى مخيم الزعتري.

(2)

الرسالة الأولى، نصًا كما وردت من صاحبها، مصحوبة بصورة:

في منطقة جنوب دمشق يسمى مخيم اليرموك محاصرة من قبل قوات النظام منذ ما يقارب الثلاث سنوات يتشارك فيه الشعب السوري والفلسطيني المأساة. في هذه المنطقة كانت هذه الصورة المؤلمة أو المبكية لدرجة قد تنزل دموعك دون أن تشعر.
هبة ذات العشر سنوات ابنة فلسطين وسوريا لم تستطع إكمال حديثها وانهالت بالبكاء دون توقف عندما سألتها ماذا تفعلين هنا لوحدك.

أجابت والدموع تملأ عيونها “ما عنا أكل بالبيت ولا مياه واخواتي جوعانين عم يبكوا أمي مريضة” وعندما سألتها عن والدها صمتت، أكملت الحديث “طلعت من الصبح دورت بكل مكان ما في أكل حتى براميل الزبالة لم أجد قطعة خبز، كل ما استطعت أن أجلبه هو قارورة المياه، فماذا أفعل مع إخوتي الجوعى وأمي المريضة”.

للوهلة الأولى لم أستوعب ما سمعت، هل ندمت لأني سألتها؟ وضعت رأسها على يديها الناعمتين اللتين أصابهما تعب الحياة، وبدأت بالبكاء دون توقف، فقلت ماذا تفعل الصورة مقابل هذه المأساة وقفت عاجزًا أن أفعل أي شيء.

الرسالة الثانية، تنشر نصًا مع بعض التعديلات الإملائية:

أنا كنت ضد الخروج من سوريا لكن أصبح الوضع الأمني لا يطاق. لكني أجبرت على الخروج وكانت الظروف أقوى مني. أولًا: الجيش السوري خسر ثقة الشعب، وأصبح النظام يجند بعض الزعران (أو البلطجية)، إلى درجة أن الشخص لا يستطيع الخروج ليلًا، خوفًا من الاغتيال، ناهيك عن القصف الذي كان ليل نهار، فأصبحنا نذهب للقرى المجاورة لقريتنا، أكثر أمنًا، لكن سرعان ما  يأتي الدور على هذه القرى. أيضًا أصبح الجيش السوري مدعمًا بالآليات الثقيلة يقتحم القرى.

طبعًا أنا من محافظة درعا تبعد عن الأردن 30 كيلومتر.  وأثناء اقتحامه يقتل ويسرق ويزني ويدمر ويحرق، يعني سياسة الأرض المحروقة. لا يخلي لا بشر ولا طير ولا حجر، حتى الحيوانات لم تسلم. وأيضًا المواد الغذائية معدومة وغالية، المحروقات أصبح سعرها ثلاثة أضعاف، ولا يوجد كهرباء. يعني أصبحنا مثل الموتى على قيد الحياة.

الوضع داخل مخيم الزعتري، كما جاء على لسان صاحب الرسالة الأولى:

الوضع داخله صعب، ﻻ يوجد كهرباء، ممنوع خروج السوريين منه، أسعار المواد الغذائية عالية جدًا (لأن المساعدات ﻻ تكفي العوائل)، والصيف الأفاعي فيه منتشرة.

(3)

حجم المأساة الحقيقي لا يتضح في الرقم المهول لأعداد اللاجئين الذي قدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بـ 59.5 مليون لاجئ، جراء 14 نزاعًا دوليًا، ولا في أن عدد اللاجئين من سوريا وحدها يقدر بـ 3.8 مليون لاجئ، بما يعادل 15.3% من إجمالي اللاجئين في العالم. مأساة اللاجئين الحقيقية في وضعهم داخل أراضي اللجوء، مأساتهم أنهم هربوا من موت، إلى موت من نوع آخر.

فمخيم اليرموك الذي لا يعتبره العالم مخيمًا رسميًا، لم تبدأ مأساة اللاجئين فيه فقط منذ أن حاصره الجيش السوري، وسيطرت عليه قوات “جيش الإسلام”، وهو ما تسبب في مقتل 1003 نزيل، وفقًا لتقدير “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، فالمخيم مساحته لا تتجاوز 8 كيلومترات، ومتوسط عدد سكانه الذي لا يوجد رقم محدد بشأنه، تجاوز 150 ألفًا، ما يجعل 19 شخصًا يعيشون على متر واحد!

وداخل مخيمات اللجوء، مات 11 لاجئًا سوريًا في موجة صقيع الشتاء الماضي، وفقًا لما قدره “الائتلاف السوري المعارض”.

مأساة اللاجئين الحقيقية في الزج بهم في الصراعات السياسية للدول المضيفة، ففي الشهور الأخيرة من العام 2013، حجزت السلطات المصرية 724 لاجئًا، بدون إجراء تحقيقات، وفقًا لما ذكره مدير برنامج حقوق اللاجئين بمنظمة العفو الدولية شريف السيد علي. وأتذكر أنه في إحدى نقاط التفتيش على الطريق الصحراوي في نهاية العام نفسه، صعد رجل أمن إلى الأوتوبيس، وسأل عن تواجد أي شخص سوري، وعندما تأكد من هويتنا جميعًا، تركنا نكمل رحلتنا.

مأساة اللاجئين الحقيقية أن المفوضية السامية للأمم المتحدة قدرت قيمة المساعدات الإنسانية في العام 2014 بـ 14.6 مليون دولار، ما يعني أن نصيب كل لاجئ من المساعدات الإنسانية لا يتجاوز 4 دولارات!

هذا عن مأساة اللاجئين، فماذا عن مأساة العالم؟

(4)

مأساة العالم في بقايا نزاع حرب كانت تسمى في منتصف القرن الماضي “الحرب الباردة”، حرب بين معسكر شرقي يرفض أن تحكمه قيم المعسكر الغربي. عادت الحرب في نسخة هذا القرن التي تسمى “الحرب بالوكالة” في أوكرانيا، كلفت العالم 6 آلاف قتيل و430 ألف نازح، وفقًا للأمم المتحدة.

مأساة العالم في نزاع سيادة إقليمية له بعد طائفي بين السعودية وإيران، استخدم أيضًا نسخة “الحرب بالوكالة”. نزاع يدور في أوضح صوره في اليمن، وكلف العالم 944 قتيلًا، و246 ألف لاجئ، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

مأساة العالم في ديكتاتورية مستبدة، تصل بصاحبها إلى درجة إلقاء أبناء شعبه في أتون حرب أهلية، كلفت العالم 210 آلاف شخص و3.88 مليون لاجئ.

مأساة العالم في أن هناك بقاع في العالم لم تعرف المدنية بعد، تدور فيها رحى حروب العصور الوسطى القبلية والدينية. حروب تهدد بقاء 3.7 ملايين شخص على قيد الحياة، في جنوب السودان التي تدور فيها رحى الحرب بين قبيلتي “الدينكا” و”النوير”، وبقاء ما يقرب من مليون شخص، ضحايا الحرب الطائفية في أفريقيا الوسطى.

مأساة العالم في أن 85 رجلًا فقط، وفقًا لوكالة الإغاثة الدولية “أوكسفام”، يملكون 110 تريليونات دولار، وهو ما يفوق بخمس وستين مرة ثروة نصف سكان العالم الأقل فقرًا، ما جعل عدد اللاجئين من دولة فقيرة مثل الصومال يبلغ 1.11 مليون لاجئ، وفقًا لآخر إحصائية أممية.

مأساة العالم أن دائمًا من ليس له في المعركة ناقة ولا جمل، مضطر أن يدفع الثمن.

(5)

رسالة لاجئ عاجز عن تحسين وضع طفلة لاجئة. ورسالة لاجئ عاجز أمام ظروف أجبرته على ترك وطنه. وأرقام تظهر عالم عاجز عن حل مأساة اللجوء. وحقائق تكشف أن العالم العاجز عن حل مأساة اللجوء، هو بيده من صنع المأساة.

لا أعرف إلى من أوجه كلامي. هل أوجهه إلى طواغيت العالم المفسدين في الأرض؟ وأقول لهم: لا يغرنكم أن طوفان نوح كان الفرصة الأخيرة لإصلاح ما أفسده أمثالكم في العصور الماضية، وأن طوفان الشعوب لن يكون عليكم أقل قسوة. بينما أرى أن كل طاغية يزداد عتوًا وتجبرًا داخل بلده، ويتمتع بشرعية ودعم من دول مصالحها متشابكة معه.

هل أوجهه إلى الـ 85 ثريًا؟ وأقول لهم: على الأرض بقاع ملؤها مأساة اختلال توزيع الثروات، وزيادة الفجوة بين الغنى والفقر ستنقلب يومًا عليكم، عندما تقل القدرة الشرائية لمستهلكي منتجات شركاتكم. بينما أرى أن ثرواتهم تتنامى، بنفس السرعة التي يتنامى بها عدد الفقراء واللاجئين والمشردين بالعالم.

هل أوجهه إلى البشرية جمعاء؟ وأقول لهم: على الأرض ما يستحق الاهتمام، وعلينا جميعًا أن نكون شركاء نضال من أجل حياة أفضل للإنسانية. بينما أعلم أن قوى ومؤثرات، متعمدة وغير متعمدة، خدرت الشعوب بمشاكلها، وقتلت بداخلها أي اهتمام يتجاوز الحدود المحلية.

الحقيقة، أنا الآخر أمام هذا الواقع، أقف عاجزًا عن فعل أي شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد