“كان الخليفة الناصر في مدينة مراكش يتباحث مع الفيلسوف ابن رشد في فكر أرسطو وأفلاطون، في وقت كان أمراء ونبلاء الدول الغربية يتفاخرون بأنهم لا يعرفون القراءة أو الكتابة.”

هكذا كتب علي عزت بيجوفيتش في مقالة كتبت في سبتمبر 1967، التي كان يبحث من خلالها عن أسباب تخلف الشعوب المسلمة، هو موضوع مهم بلا شك وازدادت أهميته في هذا الوقت، ولكن ما يلفت الانتباه أن أمراء ونبلاء الدول الغربية يتفاخرون بأنهم لا يعرفون القراءة أو الكتابة!

والآن لا تكاد تجد من يصل إلى رأس النظام السياسي إلا وهو متعلمًا، والدول العربية بالكاد تجد فيها من يستطيع أن يقرأ بطلاقة دون أن يتهجى الحروف!

دائمًا ما كنت أتساءل كلما شاهدته يلقي كلمة أو خطابًا أمام الملأ الذي لا يخلو من مثقف وممن يحملون الشهادات العالية، أُصاب بدوار وصدمة وإيذاء لحاسة سمعي التي تأمرني بعدم مواصلة الاستماع، أُصاب بضيق الصدر كلما سمعت من حولي من إخواننا في الدول الإسلامية يسخرون منه ويجعلونه أُضحوكة!

فأتساءل:

– ألا يحق لنا أن نفخر بخادم للرعية متعلم تعليمًا حقيقيًا بعيدًا عن الدكتوراة الفخرية؟!
– ألا يسأم ذلك المثقف من المثول بين يدي حاكمه الجاهل ليستمع بإنصات بلا اعتراض؟!
– كيف رضي أن يُقاد من قبل جاهل وربما لا يحكم بالعدل أيضًا؟!

“من ولى من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين”

أما مسألة أن يخجل الحاكم من الظهور بتلك الهيئة المخزية، فهذا غير وارد؛ لأنه يرى بأنه هو الأفضل من كل البشر ولا يعتريه أي نقص، يقول الإمام الشافعي في الدعوة إلى التعلم:

تعلم فليس المرء يولد عالـمـًـا          وليس أخو علم كمن هو جاهـل
وإن كبير القوم لا علم عـنـده          صغير إذا التفت عليه الجحافل
وإن صغير القوم إن كان عالما         كبير إذا ردت إليه المحـافـل

 

ثمة شروط في الإسلام يجب توافرها بمن سيكون خادمًا للرعية، منها ما هو واجب ولا يمكن التغاضي عنه، من ضمن تلك الشروط، العــــلم الذي لا خلاف عليه بين العلماء، الماوردي وابن خلدون وأبو حامد الغزالي جميعهم اشترطوا وجوب العلم في الحاكم كذلك الفارابي الذي اشترط بالإضافة إلى أن يكون محبًا للعلم أن تتوفر بالحاكم الفطنة والذكاء وأن يكون مبغضًا للعب واللهو، بالإضافة إلى العقل، والعدالة وسلامة الحواس وغيرها.

ومن العلماء من لا يكتفي بأن يكون الحاكم متعلمًا بل يجب أن يكون عالمًا؛ لكي يكون قادرًا على تنفيذ شريعة الإسلام، فالوصول للحكم لا يغني عن التعلم، بل إن الحاكم هو أحوج ما يكون إلى العلم والثقافة والإلمام بشتى العلوم، فالدول لا تستقيم بلا عدل وعلم.

لو كان أولئك العلماء اليوم بيننا وشاهدوا ما نشاهده باستمرار من حكام جهلاء يحكمون شعوبًا متعلمة فيهم من العلماء من لديه القدرة على أن يصبح مكانه، ربما طالبوه بالتخلي عن منصبه كونه ليس متعلمًا!

فكيف لو جمع ذاك الذي من المفترض أن يكون خادمًا لرعيته، بين الجهل والظلم ونقصان العقل!
أحيانًا لا تحتاج إلى أوراق تثبت أنك قد تخرجت من تلك الجامعة؛ لأن قراءتك قد تفضحك عندها لن يصدق أنك قد نلت تلك الدرجة من العلم إلا السذج.

تجتاحنا الغيرة والغبطة من تلك الشعوب التي يحكمها عادل ومتعلم، نريد حاكمًا متعلمًا وبعدها مثقفًا مثل علي عزت بيجوفيتش أو رجب طيب أردوغان.

قال الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم         ولا سراة إذا جهالهم سادوا
البيت لا يبنى إلا على عمد          ولا عماد إذا لم ترسى أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة          وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد