سأتحدث اليوم بلسان كل طالب في لبنان، سأنقل معاناتهم وتعبهم اللامحدود، هي شكوى لكل مسؤول يستطيع أن ينهي تلك السلسلة من الاستنزافات العقلية، والنفسية، والجسدية التي يمر بها طلابنا اليوم، وحكمنا عليهم دائمًا بقولنا «الله يرحم جيلنا».

اسمحوا لي يا أبناء جيلي أن أطرح عليكم سؤالًا يحتاج إلى تفكير عميق وإجابة صادقة، ماذا فعلنا بعلمنا لنخدم وطننا؟ فقط هذا السؤال، وفي داخل عقلي أسئلة كثيرة، ولكن لا متسع لدينا الآن.

أعود إلى أحبابي الطلاب، سأقول لكم شيئًا فيما بيننا، هنالك فرق بين العلم النافع والعلم غير النافع، لقد أوهمونا بأن كل ما نأخذه بالمدرسة هو علم نافع سيجعلنا يومًا ما سويسرا الشرق من جديد، ولكنهم أخفوا عنكم أن الأمم لا تنهض بالعلوم الطبيعية بداية، وأن العلوم الإنسانية مثل «الاجتماع– الاقتصاد– الفلسفة– التربية– الإعلام– الدين…» هي التي تحرك الساكن داخل المجتمعات العقيمة. أوهموكم بأنكم من خلال تلك المناهج التي وضعت سنة 1997 هي التي ستصنع منكم شخصيات تستطيع مجابهة الحياة بكل قوة ونجاح، أوهموكم بأن المواد العلمية هي واجهة الحضارة وما سواها كلام لا قيمة له، والمحزن عندي أنكم صدقتم ذلك.

اسألوا طلاب الجامعات ومن تخرجوا من المدرسة وعاشوا تلك التجربة، اسألوهم هل يستطيعون تقديم عرض فعال أمام الآخرين لشرح فكرة أو وجهة نظر معينة، اسألوهم أيضًا هل هم متمكنون من كيفية كتابة بحث علمي، اسألوهم هل لديهم ثقافة التعامل مع المال، وكيفية صناعة الثروات، واسألوهم أيضًا عن القدرة على محاسبة واقع سياسي فاسد لا ناقة لهم فيه ولا جمل. اسألوهم عن غياب الأهداف الشخصية والعامة، وعدم القدرة على اكتشاف الذات، اسألوهم عن المرأة وكيفية التعامل معها، وما سبب ذلك من أزمات طلاق، ومشكلات يدفع مجتمعنا تكلفتها بشكل يومي من تفكك الأسر، والكثير الكثير عن أمثلة لشباب أصبحوا وقودًا لأحزاب نهبت البلد، وكله باسم التحضر.

اسألوا المتخرجين عن اللحظات الأخيرة من المدرسة، حينما رموا كتبهم داخل مستوعبات النفايات، وهم يعبرون بذلك عن كره للعلم الذي بين أيديهم؛ لأن في داخلهم صوت ما يقول «هذا لا يكفي»، نعم لا يكفي؛ لأن عدم الاستفادة في صناعة شخصية تستطيع التعامل مع تحديات العصر، وتستطيع أن تنتج، وتبحث، وتخترع، وتناقش، وتحرر نفسها من كل قيد، بل تحاسب وتصنع الثروات والمفكرين، أن تصنع عقولًا ناقدة، وتمتلك تفكيرًا استراتيجيًّا نيرًا، إن لم يحصل كل هذا، اسمحوا لي أن أقول لكم «لقد ضاعت الطفولة».

طفولة كان لا بد فيها من اللعب، والاكتشاف، وغرس الحب تجاه المجتمع بأفراده، وأشيائه، وموارده.

لذلك تولد لدينا نقمة على كل شيء، على البشر والحجر، فأصبح العالم بنظرنا جزءًا من منظومة تتحكم في عقولنا منذ نشأتنا حتى اليوم، منظومة استمرت وستستمر طالما فقدنا أدوات التفكير التي تعيننا على فهمها والتعامل معها. فكل ما نجهله يولد لدينا الخوف، فالجهل هو الخوف بعينه، وكم من أمور نجهلها اليوم فنبقى في دوامة لا ندري أولها من نهايتها.

واسألوا أنفسكم ختامًا، كيف سنتعامل مع واقعنا بعد قراءة هذا الكلام؛ فالسكوت هو الداعم الأكبر لاستمرار نظام التحكم، وعندما نكتشف أسرار التحكم سيسهل علينا تعطيل الآلة والانطلاق إلى الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد