سنةُ فطرية قد خلقها الله سبحانه وتعالى في بنى آدم، ميل عاطفي وانجذاب فطري بين الطرفين يولد شعور بالأمان والتكامل والسكينة، كالذرة التي تحتاج إلكترونًا لاكتمال مستويات الطاقة بها.

“تَزَوَّجُوا الودود الولود فإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ” صدق رسول الله

– أبي، أريد أن أتزوج.

– أسعدني ما قلت يا بني، ولكن كيـــف؟!

أخذ والديه وذهب ليتقدم إلى من أرضت جوارحه، ذات الجمال والحسب فضلًا عن الدين.

– عمّي، هذا شرفٌ كبيرٌ لنا أن نناسبك.

– الشرف لنا يا بني، فأنت خير الشباب، لندخل في التفاصيل إذن.

شقة وعفش وشبكة ومهر وفرح… إلخ.

تلك الساعة الفارقة، التي بدلت أحوال هذا المسكين من الطموح والأمل والتفاؤل، إلى اليأس والتشاؤم والكوابيس، عاد مع أهله مطأطئ الرأس بخفي حنين، موقف صغير كسر في نفسه الكثير.

– الآن يا أبي أدركت ماذا تقصد بسؤالك “ولكن كيف…؟!”.
” إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.
صدق رسول الله

حقًّا تكن فتنة في الأرض كما الحال، وقد انقلبت الموازين، وابتعدت الناس عن الدين، الذي أصبح آخر أولويات الاختيار في الزواج، الغني مُرَحب به فإن كان متدينًا فـ “خير وبركة” وإن لم يكن فـ”ربنا يهديه إن شاء الله”، تعدد التحرش والزواج العرفي والعلاقات غير الشرعية وكذلك انتشار العنوسة النتيجة الطبيعية لهذه الفتنة، فعزيمة قصوى مطلوبة لكي تتحكم في فطرتك خاصة مع كل المغريات الموجودة الآن.

“يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ” صدق رسول الله

تحول الزواج الآن إلى منافسة، من الذي سينتصر!، تفخر الأسرة الآن وتستعرض بتجهيزات الزواج، ابني جهز ثلاث حجرات وكان الفرح في أرقى الفنادق، ابنتي مهرها لا يُضَاهَى كان أعلى المهور، كيف لمهر اختها أن يكون أقل!… إلخ، نعم فإنه حقيقي أن الزواج من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكننا ننسى القرآن والسنة في تجهيزات الزواج، ونجعلها آخر الأولويات! وكأننا مصابون بانفصام الشخصية والأفكار والمعتقدات، مصابون بانفصام الدين!!

العنوســــــة

هذا الشبح المرعب الذي يطارد الشباب في أوطاننا المسلمة والعربية، لم تقتصر العنوسة الآن على الفتيات فحسب وإنما امتدت إلى الرجال أيضًا، أصبح مشروع الزواج شاقـًا جدًا على الشاب، وكلما نظر بعين المنطق، أصيب بإحباط، فعليه التزامات كبيرة وكثيرة، ودخله لا يسمح بذلك ولا يكفي، فضلاً عن تعنت الآباء وتمسكهم بتلك المعتقدات المقحمة.

– في دراسة لإذاعة هولندا العالمية في عام 2013 عن العنوسة سُجلت أعلى نسبة عنوسة في لبنان، بينما سجلت فلسطين أقل نسبة عنوسة في الوطن العربي، فالزواج في فلسطين يسير، والآباء لا يتعنتون، والمظاهر لا تأخذ حجمها مثلما في معظم الدول العربية.

وفي لبنان سجلت أعلى نسبة عنوسة في الوطن العربي بنسبة 85 % من مجموع الفتيات في سن الزواج، تليها سوريا، حيث بلغت نسبة العنوسة 70% وهي نسبة في طريقها للارتفاع بسبب ظروف الحرب.

فيما شكلت فلسطين الاستثناء في العالم العربي لتسجيلها 7% فقط من العنوسة لتسجل أقل نسبة عنوسة على الإطلاق، فى الوقت نفسه، تقاربت نسب العنوسة في دول المغرب العربي، حيث سجلت تونس نسبة 60% تلتها الجزائر بنسبة 50 %، أما مصر فبلغ عدد العوانس 8 ملايين أي 40% من مجموع الفتيات في سن الزواج، وفي دول الخليج وصلت نسبة العوانس أرقامًا كبيرة؛ حيث تصدرت دولة الإمارات بنسبة 75%، بينما 45% في السعودية وأرجعت الدراسة السبب ربما للمغالاة في المهور.

عنوسة

 

• أسباب ظاهرة العنوسة

 

من أهم أسباب ظاهرة العنوسة:-
1- غلاء المهور، وعدم قدرة الشباب على تحمل تكاليف الزواج.

2- وضع شروط صعبة (تعجيزية) من جهة الأهل.

3- غلاء المعيشة وصعوبة توفير سكن.

4- عدم الاهتمام بأمور الدين، والتي تجعل الشاب يرغب بالبنت كخليلة وليست زوجة.

أصبح قطاع كبير من الشباب الآن عازفـًا عن الزواج، لأسباب نفسية ومادية ودينية، عدم الاستقرار في وظيفة، وعدم وضوح المستقبل من الأسباب النفسية التي تجعل الشاب مترددًا في اتخاذ هذا القرار، حتى لا يتحمل مسئولية أكبر ربما لن يستطيع تحملها، وكذلك الحالة المادية فهو عاجز على توفير متطلبات الزواج من شقة وعفش ومهر وشبكة وفرح… إلخ، وأيضًا خوف الشاب من الفتاة التي سيتزوجها وسلوكها وأخلاقها، وقدر تحملها للمسئولية في ظل وجود هذا الانفتاح، وكثرة المطالبة بحرية المرأة التي جعلت المرأة تهتم بحريتها على حساب حقوق أسرتها، يجعلهم يزدادوا ترددًا، خاصة إذا مر بعلاقات غير شرعية ما قبل الزواج، إنهم لا يريدون حرية المرأة، ولكنهم يريدون حرية الوصول إلى المرأة

• زواج ابنة أعظم رجال الأرض (النبي محمد صلى الله عليه وسلم)

ما أروعه هذا النموذج، الذي للأسف نقتدى به فقط فيما نحب!، السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله والتي تزوجها تلميذ النبي الإمام على بن أبى طالب، “دخل عليّ بن أبي طالب على الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يخطب فاطمة، فقعد بين يديه، لكنه لم يستطع الكلام لهيبته، فقال: مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فسكت، فقال عليه الصلاة والسلام: لَعَلَّكَ جِئْتَ تَخْطِبُ فَاطِمَةَ، فقال: نعم، قال: وَهَلْ عِنْدَكَ مَنْ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّهَا بِهِ؟ فقال: لا والله يا رسول الله، فقال: مَا فَعَلْتَ بِالدِّرْعِ الَّتِي سَلَّحْتكَهَا؟ فقال: عندي، والذي نفس عليٍّ بيده إنها لحطيمة ما ثمنها أربعمائة درهم. قال: قَدْ زَوَّجْتُكَ فَابْعَثْ بِهَا. فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله”.

ربما من الصعب الآن بل من المستحيل تطبيق هذا النموذج، ولا نطلب أن تصل الأمور إلى هذا الزهد والورع المنقرض في هذا العصر، وإنما تقليل المهور والتكاليف، وعدم وضع المطالب التعجيزية التي تحول دون الزواج، وفوق إمكانيات الشاب الذي يبدأ في بناء مستقبله، سيساعد دون شك في حل كثير من مشاكل المجتمع، وتلك النماذج المملوءة بركة ورضى وقناعة ليست ببعيدة، تستطيع أن تسأل والديك عن تكاليف زواجهما، وكيف كانوا في جيلهما والفارق الضخم ما بين الأجيال، وعلى الرغم من ذلك، هذا الجيل الذي تزوج ببساطة دون تكلف ووضع شروط تعجيزية هو نفسه الذي يضع الآن تلك الشروط ويتعنت استكمالًا لظاهرة الانفصام الاجتماعي والثقافي والديني.

أقلهن مهرًا أكثرهن بركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد