بعيدًا عن عيون الناس وفي جنح الظلام، قم معي أخي ودعنا نسرق، نحن لسنا أشرارًا أو مجرمين؛ نحن لصوص فقط. ألم يمجد التاريخ صعاليك الجاهلية؟ نعم.. أنا أريد أن أحيي ذكر الصعاليك مجددًا، وبدون أي تردد.

عندما تشم رائحة الطهي اللذيذ بشتى صنوفه في حي من الأحياء، وفي نفس الحي تنام عائلة فقيرة بلا عشاء، ألا تفكر حينها في (الصعلكة) إن صح التعبير.

عندما تكتظ خزائن أحد المنازل باللباس بأشكاله وأنواعه؛ وربما تتكدس وتهرأ بعض الألبسة في الخزانة وأحد الجيران يرقع ثياب أبنائه، هنا أشتهي أن أسرق بنطالًا وقميصًا من البيت الأول وأهديه للثاني؛ لا لشيء، ولكني شعرت أنه عند الأول فائض، وعند الثاني ناقص، فأخذت من فائض هذا سددت به نقص هذاك، هل تسمونها سرقة؟

أكاد أجزم أن الأغلبية تراني مخطئًا أو مجنونًا، للصراحة حتى نفسي تخاطبني مستغربة مني هذا الجنون، سأجيب نفسي وأنتم اسمعوا:

– أي نفسي!

– هل تعلمين أني أطمع بسرقة ضحكة طفل، وابتسامة أرملة؟ أبحث عن عائلة تقول: الحمد لله ما زالت الدنيا بخير.

سأسرق من الغني وأعطي الفقير وأقول له: هذه صدقة من ذاك الغني لكم، وسيدعون له وسيعوضه الله ما خسره بسبب سرقتي المتواضعة أضعاف ما يتمنى.

لا أريد أن ينام جار وفي نفسه شيء على جاره، لا أريد للحي الواحد أن يتفكك.. لذلك سأسرق وأكذب لكي أحافظ على بنية هذا الحي واتزانه. ربما صاحب المال لا يعلم بحال جاره، ولو علم لأجاره وساعده، وربما الفقير لا يقوى على السؤال، ولو سأل لأكرموه.

ربما لو تركت هذا المال في يد هذا الغني لأنفقه على بنات الليل ليقضي شهوته، ولو منعته عن هذه الفقيرة الوحيدة المسكينة كانت ستخرج إلى الشوارع تبيع الهوى.. فأنا أنقذتهما من الولوج في معصية.

هذا الطفل لن يذهب إلى المدرسة غدًا ولا بعد غد، ولا في أي يوم،  لأن صدريته تمزقت وما عاد ينفعها الترقيع، أليس من واجبي أن أتسلل لغرفة ذاك المدلل  وأسرق صدريته وأعطيها للفقير؛ أجزم أن المدلل لديه صدرية أخرى، وإن لم يكن لديه، فسيشتريها والده بأبخس ثمن، ولن يضطر لترك المدرسة، بل لا أستغرب أن تعفو عنه المدرسة في أول يوم ويحضر بدون صدرية، وقد يسمحون له بالمجيء يوميًا بلباس جديد، وربما يصدر المدير قرارًا بإلغاء اللباس المدرسي الموحد.

أريد أن أدفع فاتورة الماء والكهرباء والهاتف عن هذه الأرملة، هذا الشهر اضطرت لفتح التلفاز ليلًا ورفع صوته وترك إضاءة البيت كل الليل، كي يهاب بيتها مرضى النفوس ولا يدخلوه، وكانت فاتورة الهاتف مرتفعة؛ فقد كلمت مئات الجمعيات الخيرية، ولم يعطوها شيئا، أما الماء فهي تحتاجه لتغسل به عار مجتمع فاسد يعلم أنها ضلع قاصر فيحاول ثنيها وكسرها.

المجتمع ينبذ المساوئ الظاهرة ويمقتها، وإن كانت تبطن نوايا حسنة نبيلة، وأيضًا هو لا يلتفت للمخفيات والمندثرات، ولو كانت تخلف الفساد والجريمة والظلم. أنا لن أسرق.. لأن القانون سيقف ضدي، ولن يرحمني قضاة الأرض، ولكن أدعو كل صاحب مال أن (يسرق) من جيبه صدقة يطهر بها ماله، ويحفظ فيها كرامة أخوة له في حاجة وعوز، ويحفظ علي سلامتي من الجزاء القانوني.

تعالوا معي أيها الأغنياء لأسرق من جيوبكم المنتفخة بصيص أمل لعائلة محتاجة، أو أسرة تعيش الهلاك كل ساعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد