لقد عشنَا نصف عمرنا في خوف، من المجهول، ومما نعلم، نخشى أن نعترف بالخطأ كي لا تُوجه أصابع الاتهام إلينا، ونخشى أن نكون على صواب كي لا نُرغم على تحمل المسؤولية. الإنسان عدو ما يجهل كما يقال، ونحن أعداء كل الأفكار التي لم نترب عليها، التي لم تُزرع فِي رؤوسنا عند الصغر؛ فنقف حائرين في منتصف الطريق، هل نمضي نحو مَا نجهل أم نعود بخطواتنا الخائفة إلى الوراء؟ حيث نشعر بالأمان!

تربّينا منذ نعومة أظافرنا على الخوف، على التوجس، من الآخر، من الأسئلة، وحتى من أنفسنا أحيانًا، فباتت مهمة التفكير تشكل عائقًا أمام الكثيرين، التفكير يشكل عبئًا في جميع الأحوال، لكن العبء يصبح أكبر عندما نتوجه بتفكيرنا نحو المحرمات والتابوهات وكل ما كُممت أفواهنا عنه، وكل ما قِيل لنَا ذات مرة عند طرحنا لسؤال بريء «اصمت»، فحملنا الصمت شريعة لنا، وارتأينا أن نغلق أبواب ذاكرتنا لنصبح من القطيع، ولا تُوجه لنا أصابع الاتهام، والتجريم.

من الغريب أن ننادي بالحرية ونحن في مجتمع يؤمن بأن الحب يجب أن يُمارس سرًّا، في حين أن الكراهية تُمارس علانية كل يوم، من الصعب تخيل بلد سالم في الوقت التي تتجهم فيه الأوجه عند رؤية شابين يمسكان يدي بعضهما البعض، وتبتسم أمام مشهد لشباب يشتمون بعضهم البعض، من غير المنطقي أن يسود الجمال في بلاد تندد بالفن، والموسيقى، وكل ما من شأنه أن يهذب الروح، من الجنون أن يسود المنطق في بلاد يُقال للطفل «اشتم عمو!»، والحضور يوزعون ابتسامات بلهاء بينهم، بينما يُؤمر بالصمت والخضوع إذا تطاول على الكبار بفعل التفكير! فليس من المنطق أن نفكر، ونرسم، ونغني، وننصت للموسيقى، ونحب؛ بل المنطق في بلادنا أن نكره وندعو للانضمام للقطيع!

قرأت يومًا ما لمكسيم غوركي: «الحرية هي أول خمس دقائق ولدت فيها أبكي عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجهات، وبلا حقدٍ بشريّ». كان هذا من أعظم ما قرأت عن الحرية، مما جعلني أتساءل، هل يمكن أن يعيش الإنسان تلك الحرية التي يدعو إليها ما دام هناك من يكمم أفواهنا؟ هل يمكن أن نكون أحرارًا حقًّا في ظل ما يحكمنا من أصوات تأمرنا بلا كلل أن «نصمت»، الحرية هي أن يعيش كل شخص وفق ما يؤمن به، وليس لأحد الحق في أن يحاول تغيير رأيه قسرًا، أو أن يأمره بتغييره، في الوقت الذي سيستطيع كل واحد منا أن يعبر عن رأيه دون أن يتلقى تعليقًا يخبره بأنه مجنون لمجرد أنه غرد خارج السرب، آنذاك فقط يمكن أن ننادي بالحرية، فلا حرية وآلاف الأيدي تحاول تكميم أفواه الآخرين، باسم الدين، والعادات، والتوجهات السياسية، وغيرها من التابوهات التي من شأنها أن تؤدي إلى اندلاع حرب بمجرد أن يعلن شخص ما أنه يملك رأيًا فيها.

وُلدنا أحرارًا، فلماذا يجب أن نكمم أفواه بعضنا البعض؟ لماذا نختَار أن نكون أوصياء على حياة الآخر، في الوقت الذي نكون فيه أحوج ما كان إلى أن ننفرد بأنفسنا ونعيد تقييم اختياراتنا؟ ففي الوقت الذي نكون فيه قادرين على أن ندافع عن اختياراتنا من منطلق إيماننا بها، وليس انصياعًا لاختيار الأغلبية، آنذاك فقط يمكن أن نفخر بها. الإنسان عند ولادته لا يختار عائلته، أو دولته، أو دينه، أو لغته، أو عرقه، أو لونه، فلِماذا نلومه إن أبدى رأيه فيها؟ في الوقت الذي نرسخ هذه الفكرة وسط مجتمعاتنا، ربما آنذاك نستطيع أن نتحدث عن الحرية، والتغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد