في أيامه الأخيرة بعد أن أوشك قطار حياته على التوقف ليعلن نهاية رحلة أول رئيس لمصر، أخذ محمد نجيب يكتب للتاريخ شهادته -بمنتهى الأمانة والموضوعية- على حقبة تاريخية لعلها الأهم في تاريخ مصر الحديث، في البداية اعتقدت أنها شهادة من أجل توثيق الحقائق وإثبات المواقف وإثراء المكتبة العربية بقصص وحكايات عن تلك تلك الحقبة التاريخية، إلا أننس اكتشفت خطأ اعتقادي هذا وأنا أتنقل بين صفحات ذلك الكتاب المبهر «كنت رئيسًا لمصر»، فالكتاب يمثل سيناريو متكرر لما تشهده مصر في وقتنا الحاضر، لكن تُرى هل تسير الأمور كما سارت من قبل أم نتعلم من دروس التاريخ؟!

تعالوا نستعرض سريعًا الجزء الأساسي من مذكرات السيد محمد نجيب وهو الجزء المتعلق بثورة 23 يونيو 1952 وإرهاصاتها وما تلاها، ونحاول أن نتعلم بعضًا من دروس الماضي.

الدرس الأول: إياك أن تستدعي الجيش لحسم أية معركة سياسية بين أبناء الوطن الواحد

بلغ الفساد بالملك فاروق وحاشيته مبلغه، فعاثوا في الأرض فسادًا واستهانوا بالشعب المصري وجيشه أشد استهانة، حتى قام الملك فاروق بتعيين أحد ضباط الشرطة المعروف بخيانته ويدعى اللواء محمد حيدر قائدًا للجيش رغم اعتراض من تبقى من شرفاء في الجيش على هذا الاختيار ومنهم محمد نجيب، وكأن الملك فاروق لم يكتف هو وحاشيته بشراء أسلحة فاسدة وبيعها للجيش مقابل رشاوي وعمولات مشبوهة، فزاد الطين بلة بمحاولاته الدؤوبة لإفساد مؤسسات الدولة وتفخيفها من الداخل، معتقدًا بذلك أنه وحاشيته «حاضنين» الشعب كما قالها صفوت الشريف وزير إعلام المخلوع مبارك، وأطاح بحكومة النحاس باشا المنتخبة فسارع محمد نجيب للنحاس باشا في مقر إقامته الإجباري متخفيًا عارضًا عليه تدخل الجيش لإعادة النحاس وحكومته للسلطة، ولكن النحاس باشا رد عليه قائلا: «أنا أفضل أن يكون الجيش بعيدًا عن السياسة، وأن تكون الأمة هي المصدر الوحيد للسلطات، وإن كنت في نفس الوقت أتمنى أن يكون انتماء الضباط للوطن والشعب أكثر من انتمائهم للملك»، فطنة سياسية وبعد نظر جعل النحاس باشا يرفض أن يعود للسلطة على ظهر دبابات الجيش، وربما هذا يكون أحد أهم دروس التاريخ «إياك أن تستدعي الجيش لحسم أية معركة سياسية بين أبناء الوطن الواحد».

الدرس الثاني: حدد عدوك الرئيسي جيدًا ولا تنخدع

لشغل الشعوب العربية عن مواجهة عدوهم الرئيسي وهو الفساد والاستبداد ومحاولات طمس الهوية التي مارسها أغلب الحكام العرب، تعمد أولئك الحكام على تصدير أزمات الداخل الخارج والزج بالجيوش والشعوب في حروب خاسرة ومعارك وهمية، وهذا ما فعله الملك فاروق فبسلاح فاسد ودون أدنى إعداد زج بالجيش المصري إلى أتون معركة خاسرة مع العصابات الصهيونية محاولاً بهذا إلهاء الشعب عن حجم الفساد الضخم المستشري بين مؤسسات الدولة برعاية خاصة من الملك وحاشيته، وفي الوقت نفسه تظهره وسائل إعلامه على أنه البطل المنقذ الذي أرسل الجيوش لتحرير الأرض المحتلة، وبهذا يكون قد ألهى الشعب عما يستنشقه ويمتزج بدمائه من فساد وإفساد، يقول محمد نجيب: «ففي فلسطين اكتشفت أن العدو الرئيسى لنا ليس اليهود وإنما الفساد الذي ينخر كالسوس في مصر، والذي كان يتمثل في الملك وفي كبار القواد والحاشية والإقطاع وباقي عناصر النظام ودعائمه في مصر، وكنت أول من قال: إن المعركة الحقيقية في مصر وليست في فلسطين»، إلا أن السهم ارتد على ملقيه وأصبحت الهزيمة في حرب 48 هي آخر مسمار في نعش الملك الفاسد وزبانيته، وعلمنا التاريخ ذلك الدرس الغالي وهو أنه عندما ينصلح حال الجبهة الداخلية فلا تخش من الهزيمة، عندما يضمر الظلم يستنشق الشعب لذة الكرامة، عندما يموت الفساد يولد النصر، يقول ابن القيم «لا تحسبن العدو غلب ولكن الحافظ أعرض» فدائمًا الهزيمة تنبع من داخل لا من خارج الحدود كما يحاول بعض المسؤولين إيهامنا مصدرين مشاكل مصر للخارج للهروب مما نعيشه من فساد وإفساد هم صانعوه أو راضون به على أقل تقدير.

وللحديث بقية إن شاء الله، دمتم في عافية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد