إن القوالب الفكرية الجاهزة، والأفكار السريعة التحضير، المستمدة من آراء الجماعات، أو تلك، التي تكون نابعة كليًا من صميم العواطف، أو تلك المبادئ المتخمة بالاستثناءات التي تركز على جزئية معينة، وتغفل عن أجزاء أخرى موازية، هي لا شك تنم عن عدم التحلي بالموضوعية؛ فلا يمكنك أن تطالب بالكل، وأنت لا تنصف بعضك، أو تغفل عن أجزائك الأخرى.

 ولا يمكنك أن تطالب بالوحدة وأنت تكرس الفرقة، فكم من وحدة ظاهرية تحمل في باطنها الفرقة! فجل ما نحتاج إليه تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، ومعالجة مكامن الخلل البادية في مجتمعاتنا، والتي تخدش وحدة الصف. متساويان أمام الوطن، من أعلن انفصاله بشكل بين، ومن تغنى بالوحدة، وهو يكرس للانقسام بشكل خفي، وهو لا يعتد، إلا بقبيلته وطنًا، وليس بإمكاننا طي الماضي، ونحن ما زلنا نعيش صومعته، ولن نكون إنسانيين قطعًا حينما نشيد بإنجازات ديكتاتوري ما، ونغط الطرف عن جرائمه، فما قيمة العمران، دون وجود كرامة للإنسان، وما الجدوى من الاحتفاظ بجمال البدايات، بالرغم من بشاعة النهايات؟ وما العائد الذي سنجنيه، إذا زور كل منا التاريخ، ونصب لابن قبيلته تمثالًا بطوليًا؟ وإذا ما لمع صورته، وإذا ما بات مؤرخًا، واقتطع كل الأجزاء غير المستساغة إنسانيًا، فالموضوعية تقتضي الإقرار بكل الإنجازات، وتوثيق كافة الانتهاكات في الوقت ذاته، فالإنسانية تأتي قبل الوطنية، فمتى سيكف الصوماليون عن تصوير المجرمين كمنجزين؟

فمهما بلغ أحدهم من الشرف والمجد التليد، ومهما قاوم من مستعمرين، فإن تلطخ يديه بدماء الأبرياء، يسقط عنه رداء الوطنية، ولا يعتد به كنموذج، فمن ترك جراحًا لن تندمل في أية منطقة، أو أي إقليم، أو أية قبيلة، أو أراق قطرة دم واحدة، يفترض بأن يوجع ضمائرنا جميعًا، وأن نستاء من قبيح أفعاله قبل سرد فضائله.

وكما ورد في السنة النبوية الشريفة، ولزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم، وإذا ما حدنا عن هذا الطريق، فإننا نقوم بخداع أنفسنا، ولي عنق المبادئ، والمبادئ لا تتجزأ، ولا يجدر بنا أن نكون انتقائيين، ولا إقصائيين أو قبليين، ونحن هنا لا ندعو إلى التكفير، ولكن إلى التفكير، وبعدم إضفاء هالة من القدسية.

في الوقت الذي بتنا نعاني فيه خللًا بالمفاهيم، حتى أصبح مفهوم الوطنية لدينا في كافة أعيادنا الوطنية، هو الرقص مع الإيقاع، وصرف مبالغ طائلة في تلك الاحتفالات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، في حين يموت الكثيرون من الجوع، فما أجمل أن نكره، وننبذ في مايو (أيار) تلك السلوكيات: الظلم، التمييز، انعدام العدالة، والحرص على تفاديها، عوضًا عن كراهية بلد بعينه، وبأن نعيد قراءة التاريخ بفكر مختلف، وما أجمل أن نستحضر في الأول من يوليو (تموز) سعي الشمالين إلى الوحدة، وحبهم لها، والسعي لإعادة ترغيبهم بها، بعدم التقليل من شأن الانتهاكات والجرائم التي أدت إلى انفصالهم، فمن الحماقة التركيز على ردود الفعل المتمثلة بالانفصال، وعدم التركيز على الفعل الذي أدى إلى تلك النتيجة، وتجريم تلك الممارسات، والاعتراف بحدوثها كحكومات وكأفراد، ولا أعتقد بأن هناك شيئًا أكثر إنصافًا من الاعتراف بالإنسانية، ورفض الظلم جملة وتفصيلًا، عوضًا عن تصوير مايو (أيار) كذكرى اعتباطية أدت إلى الانقسام والعزف على أوتار الوحدة، وعدم تجسيدها فعليًا، فمن أقوى أنواع الوحدة: الإقرار بالجرائم، ومحاكمة المجرمين، لا تكريمهم، لكي تزول الضغائن، ولتنقشع غيوم اللا ثقة الملبدة في السماء الزرقاء، والتي لم تعد صافية كما كانت.

وكما يقول الكاتب الصومالي محمد الزيلعي أخطر الأسئلة هي تلك الهاربة من سجن الإقصاء، هل أنت وحدوي أم انفصالي؟ لا أدري في طيات كل جواب عملية اغتيال معنوي، فهؤلاء الظرفاء المتسلسلون المتعاقبون تعاقب السؤال والجواب، الشاردون من كهف داحس والغبراء، المارقون من كوكب العيش المشترك، لا يرتاحون بدون تصنيفك – معهم أو ضدهم – بدون تشطيبك من نقابة الوطن التي يدفعون رسومها وحدهم فقط! أنا وحدوي يرى، يصعب تجاوزه، أنا ابن شمال الشمال، وعشقي جنوب الجنوب، أمثالنا منفيون محاربون تائهون في بحر الوطن، بلاد سمّال العيون، تحتاج إلى حب بلا شروط، بلا قيود، بلا إقصاء.

ولكنه، وبالرغم من إيمانه بالوحدة، لا يفقد موضوعيته، وإنسانيته، حين يقول الزيلعي: إن نظام سياد بري وأد القبائلية في مطلع حكمه، ثم أيقظها من مرقدها في أواخر أيامه، كان مجد صومالنا وسر سقوطنا، ضدان في واحد، كان موتًا في حياة، أو حياة في موت.

ويؤيده بالرأي الكاتب محمد عبد الله، ولكن من زاوية وحدة الأهداف قائلًا: لم أكن يومًا ضد الوحدة، لكن وحدة مع من؟ وعلى ماذا؟ وفي أي ظرف؟ لا نختلف على الوحدة، وإنما على الجملة المستدركة بلكن، التي تركتها أنت شاغرة، وأريد أنا أن أملأها.

وقد آن الأوان لكي نتحرر من الأحكام المسبقة، وأن لا نعتبر 18 مايو (أيار) فرصة للتنديد بذكرى الانفصال السادس والعشرين، وللانتقاص من الأسباب المؤدية لذلك، عوضًا عن مشاركتهم فرحتهم بالخلاص من الظلم الواقع عليهم.

وبعث رسائل إيجابيه تتنصل وتتبرأ من كل من تلطخت يداه بدم صومالي، وتسمية مجرمي الحرب بأسمائهم، وبوضعهم بمكانهم الأنسب، ألا وهو مزبلة التاريخ، فما أحوجنا إلى وحدة إنسانية ووطنية حقيقية، لا إلى ذاكرة قبلية سقيمة تنصب زعماءها كرموز، وتتوج مجرميها كمجاهدين أبطال، فلا تحدثني عن الانتماء، ثم تقسم الوطن أمامي إلى أجزاء بانحيازك العلني، وتأييدك المطلق لمن تسببوا بانهيار الصومال، فالخراب لا يجُب عما قبله بتاتًا، ويبلور هذه الفكرة الكاتب الصومالي عمر باشا بقوله:

هناك تحدٍّ واضح أمام المثقف الصومالي، وهي كما تحدثنا فكرة الزعيم البطل الذي يقوم بالنسبة إلى العقل الجمعي مقام المهدي المنتظر، والزعيم البطل ظاهرة لا تخضع للقانون، وإنما هي ظاهرة تقوم على التقاء سلاسل من الأسباب المتوازنة والمتقاطعة التقاء لا يمكن التنبؤ به بحال من الأحوال. وهذا ينطوي عليه هروب لا شعوري من المسؤولية، مسؤولية مواجهة الواقع.

وكما يقول محمد عابد الجابري في كتابه إشكالية الفكر العربي المعاصر، البطل التاريخي هو الشعب، ولكن هذا البطل لا يقوم بدوره التاريخي، إلا بتحريكه من خلال تنظيمات شعبية، من خلال نضالات متواصلة متنامية يحركها ويوجهها ويقودها المثقفون وكل أفراد النخبة الوطنية التي تحمل مشروع المستقبل وتبشر به. فبدلًا عن انتظار البطل الزعيم يجب العمل على بلورة نخبة وطنية مثقفة وواعية تبشر بالتغير وتخطط له، وتعمل على استعجال حركته وصيرورته.

والشيء الثاني الذي يسيطر على التفكير الجمعي هو الانصياع إلى الواقع والانغماس في التغيرات التي تحدث، لكن بصورة عاطفية، والانصياع العاطفي هو نتيجة فقداننا للتفكير العقلاني؛ مما يجعلنا ننصاع لكافة التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تحدث على مجتمعنا بصورة عاطفية.

فغارقون نحن تمامًا في استحضار الماضي، وفي استخراج نماذج قد تكون مشوهة أحيانًا، وملهمة أحيانًا أخرى، ولكنها معوقة، فسيظل الصومال ولادًا، ولن يختزل تاريخه بشخصية أو بأخرى، لذلك يجب الانشغال بصناعة وتنشئة جيل جديد خال من شوائب الماضي؛ لكي لا نكون حبيسي الماضي.

فلا يكاد يخلو بيت من شظايا وأثر تلك الحقبة، فهذه أمي التي فقدت العديد من أفراد أسرتها في قصص من فرط بشاعتها لا يسعني أن أرويها، ولكنها – وبعد مضي سنوات، وفي أحد المطارات، وأثناء وجهتها إلى أرض الوطن، حينما احتاجت إلى مساعدة ساعدها أحد الشباب الصوماليين المقيمين في قطر – قالت لي يومها: أثق بأن الصومالي لن يتركني دون أن يمد لي يد العون أينما كنت، ولا أنسى أيضًا دموعها السخية، حينما يهز انفجار ما مقديشو؛ فيحصد معه أراوح الأبرياء، هكذا هي الدماء الصومالية تجرى في عروقنا، تجمعنا وإن أبينا، سأخون وطني، وسأقف على الحياد، لا أميل إلى انفصال؛ ليقيني المطلق بأننا شعب واحد وساسة متفرقون، سأخون وطني حينما أقر بأن وحدته الحالية هي صورية، وأن الأعلام القبلية المنصوبة هي كالسكاكين المغروسة في قلب هذا الوطن، سأخون وطني لأنني سأزيل كل التماثيل التي شيدت زورًا باسم الوطن، ولن أنحني بإجلال لمن أراق قطرة دم.

سأخون وطني؛ لأنني في غمرة التجاذبات والتحيزات الكبرى، والتصنيفات الضيقة لن أكون في خانة (مع )، ولن أكون في خانة (الضد)، ولن أوزع صكوك الانتماء. ولكني سأقف على الحياد، وسأقف مع مصلحة الوطن، وختامًا: ما زلت أحتفظ ببصيص من الأمل، وأراهن على الجيل الواعي المثقف، الذي سيقتلع جذور التعصب، وسيهدم كافة التماثيل المنصوبة، وسيكتب التاريخ بفكر وحبر جديد، ويقول كما قال الكاتب بصوت واحد الصومالي عبد الرزاق هرتي:

يوما ما ستعود هرجيسا لتعانق مقديشو، وتعود مقديشو لتحتضن صومالنا الغربي المحتل، وتعود جيبوتي لتنادي جارسيا المحتلة.

وتتحد أضلاع نجمتنا الناصعة البياض، رمز صومالنا الكبير، إنه حلمنا، وليس ببعيد، فبعد العسر يسر، فما زلنا متمسكين بالأمل لآخر نبض يسري في قلوب أجيالنا.

ومضة:

قال محايد أنا …لا أنتمي للقبيلة ولا للعشيرة ولا دخل للجغرافيا في تحديد هويتي الفكرية!

ولا أؤمن بالمقدس ولا أثق بالرئيس المدلس والمختلس

ولا أعفي ابن القبيلة من الجريمة ولا أخلي ابن عمي من المسؤولية

ولا أعارض لأن الرئيس ليس من فصيلة دمي القبلية!

ولا أدافع لأن الرئيس هو من قبيلتي فيكون هو جل قضيتي

ولا أرى توازنًا يذكر بين كفة الوطنية والقبلية!

ولا أقر بتحقق العدالة لأنني لست بأعمى البصيرة

ولا أؤمن بتحقق الديمقراطية ما دامت أسس الاختيار قبلية بحتة

ولا أؤمن بالاستقلال … لأننا لم نتحرر بعد من استيطان القبيلة!

ولا أؤمن بالنضال ضد الظلم

الذي يورث الأمل في الأجيال

ليتمخض عن الألم الانفصال

فتعاد دورة الزمن لتبدد الآمال

ليتبخر الحلم الذي قد طال

وتبيت العدالة حلمًا أقرب للمحال

فلا تسألوني لماذا لا أؤمن بالانفصال

ظلم فثورة فانفصال فظلم لا يزال

وساسة سلبوا عقولنا بالانفصال ولا يريدونه أن يأتي فما الوهم الذي سيبيعوننا إياه؟

وما الشماعة التي سيعلقون عليها فشلهم في كل المحافل؟

 وأي رجاء سينبني عليهم ما داموا صوروا أعداءنا أخوة … وأحالوا إخوتنا أعداء!

والأعداء محاطون بنا في كل مجال.. فشتان يا قومي ما بين الأقوال والأفعال

لن أحصر نفسي في دائرة الـ(مع)

ولن أنخرط في دوامة (الضد)

لست انفصاليا ولا وحدويًا

لأن الوحدة أقرب ما تكون إلى الخيال، ومن يدعون من الساسة إلى وحدة الصومال، هم أنفسهم من يكرس جذور الانقسام هم أنفسهم من يبيعون الوطن بثمن بخس مقابل دراهم معدودة، هم أنفسهم أمراء الحرب ومنبع الإرهاب هم من يتاجرون بتحقيق السلام، فلو حل السلام، فبماذا سيتاجرون هم وأعوانهم الشياطين؟ وكيف سيتسولون باسم الوطن؟ لست انفصاليا؟ ولست وحدويًا؟

لانني أؤمن بأن ساستنا يبيعون لنا الوهم، وهم من يستفيدون من آلامنا، وهم من يستفيدون حينما يبنون لنا أوهامًا من الرمال والآمال؛ فيخدعوننا باسم البحث عن الاعتراف، ويخدعوننا تحت شعار: أيها الشعب لا تخف.. فتغدوا كل آمالنا أكذوبة كبرى، ويؤجج الساسة صراعاتنا، ويزيدون تلك الفجوة بين أبناء الشعب الواحد..

لست دبلوماسيًا، ولست مزدوجًا، ولن أبيعكم الوهم إذا ما قلت لكم: آمنت بمبادئي وبصحوة الجيل الجديد، وكفرت بما شيد الساسة، فبماذا ستنعتونني أيها السادة! نعم لقد كفرت مرارًا .. كفرت بما شيد الساسة! وهدمت صروح القبيلة، وآمنت بدستور العدالة.

ونزعت الأحقاد الدفينة.

وحلمت … منذ الطفولة بوطن واحد لا أكثر يتسع لخيباتنا، دلوني عليه لعله يكون منفاي الأخير، وطن بلا تهميش .. والكل جنبًا إلى جنب يعيش، وطن ينعدم في قاموسها الأنا، بلد دستورها أنا .. وأنت .. ويجمعنا نحن، ..بلد تكون فيه فصيلة دمنا واحدة، وهو المصير المشترك، فإلى متى سيمتص الساسة دماءنا. ليدعونا نعاني من فقر الحال، وهشاشة مزمنة في الوطنية، وغيبوبة الأمل الكاذب. لتمتلئ بطونهم!

أحلم ببلاد تسعنا جميعًا، لا يهمني ما هي عاصمتها، ولكنني أحلم بأن تكون ذات يوم مثواي الأخير، بدلًا عن أن أدفن في أحضان الغربة وحيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد