أجلس على حِجر أمي في الجمعة الماضية، أحدثها عن الفارق الهش بين النساء والمطر بكل رومانسية محمود درويش، أحاول أن أصالحها بعد معمعة حدثت بيننا فيما مضى، حينما بدأ النقاش بيننا حول ما هو السر خلف الإتيان بي إلى هذه الحياة، وخاصةً حينما قلت لها في لهجة عابسة عابثة: بأي حق ألقيتِ بي إلى هذه الحياة ؟ فما منها أن غضبت وفكرت ثم ردت في ظلام هادئ مثل شهادة المحتضر على الفراش الأخير: أنا لم آت بك، بل ألقتك السماء في رحمي ثم صمتت هي وغادرت أنا.

أما الآن أحاول جاهدًا أن أكتسب مغفرتها، فهي قريبة من السماء مثلما قالت في نهاية الصدام الأخير، أقبل يدها ورأسها وأتلو عليها من الشعر ما يرقق قلبها الواهن في الأساس، وها أنا أحن إلى حضن أمي وخبز أمي وحِجر أمي، ارتكبت جريمة حينما فكرت في سخط تارك العنان لحصان الأفكار الأسود المتشائم، قوي الأفكار، عميق الأحزان، لكني تذكرت أنني أخجل من دمع أمي، فمهما حدث ومهما اقترفت أنا أو فعلت هي فهي واهبتي قبلة الحياة.

ابتسمت وأقرت أنها سامحتني وعلى عجل رفعت رأسي من على قدمها فقلت لها: إلى أين؟ فأومأت إلى ريموت التلفزيون فقمت مهروعًا إليه وأعطيتها إياه، فأخذت تقلب القنوات حتى استقرت على رجل غليظ يمتطي لحية عظيمة وعينين تدمع من شدة الورع أو من محاولة التمثيل فتذرف الدموع على الوجه المضيء، منهمرة على الجلباب الأبيض، وأمي في غاية التأثر، فهو يدعي وأمي تؤمن على الدعاء، وما لفتني إلى هذا الشيء هو مدى تأثير صاحب اللحية على السيدة البسيطة، يا سادة الأمر جد خطير.

العيب ليس في الحاكم، ولكن العيب فينا نحن المسلمين المقصرين في حق الله، ترتكبون الجرائم وتعصون الله فماذا تتوقعون أن يفعل الله بنا! لا تلومن الحاكم فهو يبذل قصارى جهده حتى يعالج ما أفسدتموه ببعدكم عن الله، لا تصلون فماذا تتوقعون من الله! هل سيتحسن حالكم وأنتم في غفلتكم عميان؟ لا ترون سوى طريق الشيطان؟!

اللهم وفق حاكم البلاد إلى ما تحب وترضى، اللهم ابعد عنا الإرهاب الأسود، اللهم ألق بدعمك لحاكم المسلمين… إلخ

هذا ما علق في ذاكرتي مما قاله الشيخ المُتأثر جدًا إلى حد البكاء، وأخذت أمي تردد على مسامعي الخطبة من جديد؛ حيث العيب ليس في رب الدولة أو قياداتها وإنما العيب فينا نحن المغضوب عليهم من الله؛ لأننا لا نصلي ولا نتقي الله في كل أعمالنا، ولا نتلوا الأدعية المخصصة للأكل والشرب والملابس الجديدة ودخول الحمام، المهم أن العيب فينا.

هل تعرف يا مؤمن أن غلاء الأسعار سببه أنك لم تصل العشاء بالأمس؛ لذا تم تحديد ثلاثة أرغفة بدلاً من خمسة للفرد الواحد في اليوم ضمن منظومة التموين لأكل الغلابة، لذا يجب علينا أن نقتل هذا الداعر الذي لم يصل العشاء، حسنًا هل تعرف أنني لم أصل الفجر حاضرًا في وقته؛ لذلك توقعت أن طاجن الكبدة سيعلو ثمنه من 8 جنيهات إلى 12 جنيهًا، لذلك أريد من كل محبي الكبدة أن يسامحوني على فعلتي هذه.

دخلت مع أمي في نقاش حاد حول دجل هذا الملتحي، فهو يقر أنك أنتِ السبب في خراب هذه الخرابة، وهل حقًا يا أمي أنتِ مقصرة في حق الله؟ بدون أن تردي بالمقولة نفسها التي يرددها هذا الدجال، هل تعرفين أمريكا يا أمي؟ هل سمعتي عن أوروبا؟ إنهم لا يعرفون الله أصلاً، وإذا كان هناك من يعرفه يا أمي فهو ملحد به ولا يريد الاعتراف به، إنهم علمانيون يا أمي، والعلماني لا يعني كافرًا وإنما يعني أن الدين في قلبك، أي لكم دينكم ولي دين.

إنهم ينجبون أطفالاً بدون زواج يا أمي، هؤلاء الأطفال التي سوف يطلق عليهم شيخنا أنهم أولاد زنا وسفاح وأولاد الدنيئة والحرام، فهؤلاء الأطفال يا أمي يعيشون في رغد الحياة على عكس أولاد الحلال يا أمي الذين يموتون جوعًا، وإن لم يقتلهم الجوع سوف تقتلهم القذائف يا أمي، وإن لم يمت بهذه أو تلك سوف يعتقلونه بأي تهمة حتى يموت في زنزانة حقيرة داخل معتقل أحقر يؤكد على أننا أولاد حلال يا أمي.

إنها خدعة كبيرة يا أمي؛ فالعيب أبدًا لم يكن في الشعوب أو في الدين، ولكن العيب في الديكتاتور وأعوانه اللصوص، والدجال الملتحي الذي يبرر لهم ما يفعلون ويلقي باللوم على المُعذَبين بأمر السلطة وليس بأمر الله، فالله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.

أمي لم تلتفت إلى كلامي ولكن قالت: ربنا يهديك ويغفر لك ما قلته في حق الشيخ، وسوف أدعي لك الله أن يردك إلى صوابك يا بني.

سوف نعاني كثيرًا يا سادة حتى نصل إلى مثل هذا الإقناع الذي فعله الملتحي الدجال بأمي؛ لذا سوف أطلق لحيتي العلمانية علي أكون أكثر إقناعًا.

لذا لزم التنويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, رأي, مقال
عرض التعليقات
تحميل المزيد