عن أي وطنٍ تتحدثون؟

 لا شيء هنا سيدي، سوى شابٍ يسقي بغله مياه السد الجديد، يكمل جعفر حمل أكوام الحطب التي احتطبتها برفق أنامل أمه، ليكمل عمله اليومي بعد يوم دراسي شاقٍ بمدرسة «ينبوع الأمل» البعيدة عن «دشرتهم» عشرة أميال، طريق هيئتها بحزم بارع قدماه هو ورفاقه تؤنس وحشتها حكاياتهم، ليس لجعفر سوى سرواله هذا وحذاء بلاستيكي يمنع عنه مياه السيل زمن الشتوية القارسة بهذه الربوع الخالية، وتمضي أيام «الدشرة» بين كرٍ وفرٍ، ملاحقة بين بصيص أملٍ وظروف جعلت من أروى الصغيرة ترعى الماشية وتحمي الفرن وتحتطب مع أمها، ليقف الزمان متعجبًا! أين يصنع هذا الكم من التفاؤل؟ وتعرج الشمس خجلًا من أن تصيب أروى بحرها زمن الحصاد، ويكف الريح عن نفخه أيام يقصد جعفر مدرسته مع بزوغ الفجر، الطبيعة هنا تخجل من أن تعكر صفو الطفولة الجميلة حقًا بـ«الدشرة».
وددت لو سألتهم يومًا أي نوع من البشر أنتم؟ فعلًا لا شيء هنا سيدي، سوى أكواخ عتيقة يقتسمها عشرة أفرادٍ ومعزة هزيلة، لا حديث عن السياسة ساعة المغربية، يفترش جعفر في ركن الكوخ أحلامه وكراسه إيمانًا منه بأن حالهم سيتحسن حتمًا حين يكمل رسالته ليكسي أمه زي الضياء ويبني لعائلته منزلًا لا يزيد في الأغلب عن أربع غرفٍ تحميهم حر الصيف وبرد الشتاء، حتى أحلام جعفر بسيطة، وتمضي الليلة هنا، أنيسة جوٍ عائلي نقي خالٍ من البروتوكولات المزيفة.
لا شيء هنا سيدي، سوى معزةٍ هزيلة وأكوام «الزقوقو» المعد للبيع يوم السوق الأسبوعية.
التفاصيل في هذا المكان تزداد تعقيدًا كلما تنقلت من كوخ إلى آخر، التعقيد يكمن في كيفية صناعة السعادة من ثنائية الفقر وقلة الحيلة، الناس هنا خبِروا صناعة البسمة، وأضافوا للمكان رونقًا، لم أرَ البلبلَ يغني منذ سنين خلت، حتى بلبل «لافيني» لا يغرد، عرفت اليوم أنه يحن إلى البساطة ورائحة الإكليل، بلبل «لافيني» سئم بؤس العاصمة وأصوات المحركات وصفارات الإنذار.
لا شيء هنا سيدي، سوى شيخ كبير جالس على حافة المسجد ينتظر أذان صلاة العصر، بعكازه وعمامته ووقاره، هو لا يعرف عن ميلاده سوى أنه حل موسم الحصاد لتضعه أمه صغيرًا بين السنابل الذهبية ترعاه حشائش الأرض ورائحة شاي العاملين بالحقل، لا يعرف عن المدينة سوى اسمها، سمع عن طريق المذياع في مقهى السوق صدفة أن ريح التغيير قد مرت ببلادنا فخالها موجة بردٍ قادمة فأعد برنسًا صوفيًا يقيه بردها.
لا شيء هنا سيدي، سوى منجلٍ وعدة عملٍ.
لا شيء هنا سوى مِعولٍ قديم وفأسٍ خشبي المقبض وقلب نابض أسير هيكلٍ نسوي تجاوز الستين، تغطي التجاعيد في وجهها مسيرة أمٍ كادحةٍ، تجمع البلاستيك وتشق صدر الأرض وتنثر بيدها الخشنة بذور الأمل في أرض لم ترها في حياتها العسيرة إلا خيباتٍ وقليلًا من الدراهم التي صرتها في ثوبها الرث، يقول ابنها «عبد الوهاب»، هو بكرها، عن أي وطن تتحدثين أماه؟ فتجيبه بعيونٍ حالمة، سيبقى الوطن وسيزول الجور من أرضنا، الرابعة صباحًا، لا شيء هنا سوى نباح الكلاب وصوت «الديماكس» التي تجمع النسوة لفلاحة الأرض مقابل بضعة دراهم، سيستحوذ عليها رب البيت ساعة المغربية ليحتسيها خمرًا في المقبرة القديمة مع المتسكعين وأرباب البيوت القامعين للأم الحنون، فتمضي ليلتها تذرف الدموع وتتلذذ الخسران.
لا شيء هنا سيدي، سوى أناس ألفوا تحدي دوامة الشيء المعتاد وقرروا القطع مع كل مظاهر التكرار التي أنهكت الوطن الشاشة يا سيدي لا تعكس واقع الناس المرير، ما رأيته اليوم بهذه الـ«دشرة» صور لي يقينًا أن خضرة الأراضي المبسوطة هنا تخفي ألمًا وشدة، ابتسامة عبد الوهاب والجدة والشيخ والعائلات في الأكواخ القديمة تعكس في الحقيقة حرمانًا وفقرًا وبؤسًا، سيدي لا شيء هنا فعلًا، سوى ماشية هزيلة وبغل أليف وبلبل ينشد لحن الحياة، سأحزم أمتعتي وأوراقي وعدتي وسأرحل عن المكان، سأمر في طريقي على صديقي «محمود» هو من عرفني بالناس هنا، يا سيدي أنهكني ضميري وعذبتني براءة الأطفال المخلوطة بالوحل والطين والتراب، سأرفع إلى جنابكم تقريري وأرفقه باستقالة مختومة برقم سجلي الوطني، سأكتب فيها بالخط العريض «أنا غير مسؤول عن حملتكم الانتخابية»، ليس لهذا القوم حاجة للوطن، في طريق عودتي سأحمل حقيبتي وأقطع عشرة أميالٍ مشيًا كما يفعل صغار القرية، سأمر بالمدرسة العتيقة وأحمل ذكريات أناس لا يعرفون سوى «قف للمعلم»، تنتظرني سويعات في النقل الريفي مع الحاج «مبروك».
سيدي في الختام، لا مكان للسياسة في هذا المكان، لا يعنيهم حقًا كونك المسير المستقبلي للبلاد وأمور الرعية، لا حاجة لهم ببروتوكولاتكم ونظاراتكم وسياراتكم وأغطيتكم وخبزكم الإفرنجي، الناس هنا يأكلون مما يزرعون، سيدي، أنت أيها الأكاديمي والعارف بالاقتصاد واللغات والبلاد والعباد، تعلم السياسة من جدة أمام الكوخ، سيدي، أنا مستقيل إلى الأبد، أنا اليوم منشغل بفلسفة البؤس السعيد، سأطفئ الشمعة، للأسف الشديد لا كهرباء هنا، وأخلد إلى النوم وقد تخلصت من عبء كبير، سيدي، لا جدوى لحملة شعبوية بالمكان، هم مشغولون بأشياء أخرى، منشغلون بالأرض والنهر والشمس والملح والزعتر والإكليل و«الزقوقو» أيام السوق الأسبوعية.
لا شيء هنا سيدي، سوى شمعة في الطريق تضيء سيرورة تاريخ آخر وجغرافيا أخرى وأدب آخر لم تتعرض له المناهج في مدارس المدن الكبيرة، سأجمع حولي ما أستطيع من الذكريات والمشاهد والحقائق والصور لأرسلها للوطن، سأكتب على الظرف، في هذا اليوم أيها الوطن المغرور أنت غائب إلى الأبد.
سيدي، عن أي وطنٍ تتحدث؟

الدشرة: قرية ريفية فلاحية باللهجة العامة التونسية.

الزقوقو: فاكهة تتواجد عادة في الغابات الجبلية التونسية.
الديماكس: سيارة فلاحية.
عكازه: عصا يستند إليها الشيخ للمشي.
لافيني: تسمية متفرنسة لشارع الحبيب بورقيبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد