الثمانينيات! وما أدراك ما الثمانينيات! انتابني المللُ والفراغُ ليلًا، كما ينتابُني دائمًا، كعادته المزاجُ سيء والنفسُ خاملة والروحُ مُعكر صفوها، لم أكد حتى خطرت ولاحت في ذهني تلك الفكرة، لماذا؟ لماذا لا يُمكنني الترحالُ إلى الوراء والسفرُ بالزمن قليلًا؟ ورؤية الكثير مما لم أره من قبل، ومعاصرة فترات لم أعشها من قبل، فما كان مني إلا أنني أمسكتُ جوالي المحمول، بدأتُ بالبحث، تسللتُ إلى محركِ البحث جوجل، فبالتأكيد سيفيدني ويمدُني بالمعلومات التي أريدها لنفسي، هو دائمًا يفعل، هو كنزٌ لا يفنى بالنسبة لي، هو نَجدتي وقت فراغي وملاذي حين يُصيبني الملل، ولكن ماذا سأختار؟ عن ماذا سأبحث أو أكتب؟ إذا كُنتُ فقط أستطيع الترحال لِبضع سنين قليلة وليس لِعقود كاملة فماذا ستكون، ارتميت إلى الخلف وأسندتُ ظهري، وأطلقت عناني للتفكير وذهني للتأمُل، لِوهلة وجدتُ نفسي بتلقائية أبحثُ عن من عاشوا قديمًا، جيلِ الثمانينيات، تلك الفترة المُهملة من دائرة التاريخ، رُبما سأختار الثمانينيات، حتمًا سأختارها، حيثُ المرح والهدوء، حيثُ رقصات التويست والتانجو المُمتزجة مع ألوان الفساتين والتنورات القصيرة الأنيقة على نغم موسيقى جميلة، حيثُ الحياة البسيطة، الخالية من الصخب والضغوط الحياتية الكبيرة، فالمكانُ مستقرٌ وآمن، والأوضاعُ جيدة، والتعدادُ السُكاني ليس بالسيء، لكلِ جيل فترته ومشاكله المُعتادة والمُتزامنة معه بشكلٍ استمراري، ولكن جيلِ أشرطة الكاسيت وانطلاق ثورة الحاسوبات الشخصية لم يكن يُعاني الكثيرَ بخلافنا، فهو لم يعان انفجارًا سكانيًا مُدميًا، هو لم يكن يُعاني من ضجيجٍ مستمرٍ ومُتأجج، لم يكن يُعاني من تعاقب ثوراتٍ متتالية وانقلاباتِ حكم وغيرها… إلخ.

الجيل الذهبي الذي مر عليه الكثير من التطورات والتغيراتِ الرائعة، الفترة التي حظيت على آخر ما تبقى من الحياة البسيطة واللطيفة قبل أن تتحول الحياة بشكلٍ كامل وإيقاعٍ مُختلف نحو وحش التسعينيات وما يليه من دخول الألفية الجديدة، فهو جيل التلفزيون الأرضي المحدود، الذي فقط يبثُ بضعة برامج تلفزيونية على قنواته البسيطة التي تعرض فقط ما هو جيد وغير مُتكلف من كلاسيكيات السينما وقتها، بعيدًا كل البعد عن ضحالة السينما الحالية وإسفافها بكل ما تعرضه من محتوى مسيء يضرُ بعقولنا وأخلاقياتنا وثقافاتنا.

جيلُ الألفية الثانية، من هم بين الـ22 والـ29 عامًا تقريبًا، الجيل الذي خُدِع، ولأنه مَجنيٌ عليه فلقد أصبح جانيًا، أصبح كمصاصِ الدماء الذي تحول بعد أن مص رقبتهُ مصاص دماء آخر، هذا لم يكن ذنبه، هو لم يكن يدري ما سيحدثُ له، هو لم يكن يعرفُ أن ما سيعيشه في هذا الوقت هو الجحيمُ بعينه، نقصٌ في الخدمات، نقصٌ في التعليم، نقصٌ في الصحة، نقصٌ في الحرية، نقصٌ في الإمكانات، نقصٌ في أخلاقياتنا، بل نقصٌ في عقولنا نحن!

جيلُ الكبتِ والسجن والتعذيب والضغوط، جيلُ من باع ومن سجن ومن نهب ومن خان، ومن قَتَلَ ومن شرد، جيلُ غلاء الأسعار واحتكارها، جيلُ انخفاض الرواتب وقلة الوعي، جيلُ الاستغلال وانعدام القانون والإنسانية، وتزييف التاريخ والرموز وطمسهم وغياب القدوة.

جيلُ الهواتف الذكية والبيئات ثُلاثية الأبعاد وعالم التكنولوجيا المُنفتح، قُلوبهم مُغلقة ومُتنافرة كتنافرِ الأقطاب، لا يرغبون في تسليم راياتهم أبدًا، يبدون كما لو أنهم على خشبة مسرح لتمثيل مسرحية مُعينة، مسرحية الحياة، التي لا يُريدون إلا إنهاءها بأي ثمنٍ يُرجى، دون تسليمها أفضل من أوقات تسلُمها، الجيل الذي لطالما ظن نفسه أفضل من سابقه دائمًا، فإلي أين؟ وإلى متى؟ فالضحالة والعُقم قد طال الكل، اليساريين واليمينيين والقوميين والماركسيين والليبراليين والعلمانيين والملحدين والملتحين والحجابيين بمختلف ألوانهم، الكل أخطأ بلا استثناء، الكلُ قد تعود على تغيير ألوان مكياجاته وديكوراته وشعاراته باستمرار، والسؤال هنا نحن أم الثمانينيات؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثمانينيات
عرض التعليقات
تحميل المزيد