خرجتُ ذات يومٍ وفي خاطِرتي تجُولُ عديدُ الأسئلة. أهمُّها، أُريدُ أن أرى بلادي مثلما وصفوها لي في التلفاز.

خرجتُ وكلِّي أسئلة متعدّدة، أريد أن أرى الخضرة التي حدثني عنها صحفي قناة التونسية ومذيع إذاعةِ شمس إف إم. أريد أن أرى قوة الاقتصاد التي وصلها لي مذيع قناة تونس سبعة بمظهرها الجديد لعد الثّورة. ولجت الطريق ولم أرَ سوى بعض الأكاذيب. فالخضرة صارت اصفَِرارًا أو ربّما لم تكن موجودة أساسًا، فلماذا نعتّم بلادِي بالخضراء.

قلت إنّي ربما لم أستمع جيدًا لحديثهم أو أخطأت أذني، أردت أن أرى التقدُّم الاقتصادي وأوّل ما جاءت عليه عيني عجوز رفقة أولادها بدون مأوَى في أيَّام يناير الباردة. التمست عذرًا لهم فلعلّ التقدم والرقّي ليس بدفء هؤلاء وتوفير قوت يومهم. ألم يقولوا إن التقّدُمَ بطُرقات سيَّارة شاسعة نظيفة وأحياء سكنيّة فاخرة! آه يا إلهي مع أول مطَرِ من أمطار يناير المبارك لا يستطيع أيّا كان أن يمر من طرقات بلادي! لا أتحدث عن سيارات أثريائها ودرّجات موظّفيها بل عن سِيقان وأرجل فقرائها حتى أنّي ظننتُ سرًّا أن حكاية الثلاثة الآلاف سنة حضارة التي قالها لنا يومًا «المكي هلال» كذبة لا وجود لها، لكن خفت وأحسست بذنب لأنّي كَذَّبتُ إعلاميًّا من إعلاميّي بلادي المرموقين المعصومينَ عن الخطأ.

فلَم يكذب لطفي العماري عندما قال إن البلاد بخير وخضراء وأعداؤها هم من يطلقون الإشاعات. فواصلت التجوال مترجلًا ﻷنّي من أرذَل القوم، خادمِ كباره ومواطن درجة ثانية حسب تصنيف اجتماعي سمعتهُ ذات يومٍ في تلفاز بلادي، واصلتُ المشيَ في أنهُجِ وشوارع بلادي بِنِّيةِ تأكيد حديث «الصحفي» لا تكذيبه، ألم يعلّمُونا في مدارسنا أنَّهُ لا يجوز تكذيبُ أكَابر القوم؟ واصلت المشي وبي نِيَّةُ الاكتشاف تأكيدًا لا تكذيبًا، فرأيت صحفيين في مقاهٍ فاخرة صحبة مسؤولين جالسين يشربون ما طاب ولذ من المشروبات الفرنكفونية الرائعة المتوارثة من فرنسا التي جَلبَت لنا التطوُّر والتقدم الذي لم نكن نحلم به يومًا حسب زعم إعلاميّي بلدي. أنا المسكين المطيع لسَاسَة وطني وإعلامييه، لم أشأ أن أصدق أن هؤلاء الأخيرين يجلسون هناك خدمة لأسيادهم وأجنداتهم ليملوها علينا – نحن ضعاف الحال أرذل القوم والغلابة – في نشرة الثامنة وما تلاها رفقة «مريم بالقاضي والمعز بن غربية».

قلت إني ربما أنا ابن الريف المهمش أسكرتني نسمة المدينة وأن ما أراه نتيجة غيابي عن الوعي بما أنا فيه الآن، وشاهدت بينما أنا مار من أمام مجلس نواب الشعب نوابًا أذكر أنهم جاؤونا ذات يوم من أيام أربع عشرة وألفين مطالبينا بمنح أصواتنا حتى يضمنوا لنا عيشًا رغيدًا وسيجلبون تلك الحضارة التي حدثنا عنها إعلامنا في نشراته الإخبارية. سيصبح لنا مقاهٍ يجلس فيها نساؤنا ورجالنا سويًا وسيصبح لنا في ركن من أركان قريتي حانة سَينسَى بها قومي وبنو جِلدَتي فَقرهُم في عهد الإخوان المسلمين كما صوّروه لنا في نشرات أخبارهم وسيتمتعون بمعاش قار كما سيصبح لجدتي العجوز دفتر علاج مجاني بوَعدٍ من حزب نداء تونس، وسيصير لأخي الصَّغير حقٌّ مشروع في أنْ يلتحق بفريق كرة قدم وسيشجع أترابي فريقَ قريتنا بعد أن تُصبِحَ مدينة ولن يَضطرُّوا لتشجيع فريق المدينة الكبيرة، وسيقوم حزب التجمع المنحل بعد عودته بتركيز أعمدة الكهرباء في قرية قريبة حتّى يتسنَّى لأهلها الخروج ليلًا ورؤية وُجُوهِ بَعضِهم البعض بعدما كان غير مُتاح بعد صلاةِ المغرب.

لكن لم يحدث شيء مما قالوه يومها، فالمطر غطَّى الطرقات، حتى إنّ المترو الخفيف أقوى إنجازٍ لحكومات وطني لا يستطيع السّير.

وقريتي لا تزال مُظلِمَة اليومَ بعد مرور ثلاث سنوات من صعود النّداء للحكم – نداء ظنّه المساكين نداءً للوطن فكان نداءً لأعدائه وناهبي ثرواته – وأخي لا يزال يلعب الكرة في ملعب قريتي المُظلِمة ليلًا والباكية نهارًا، المَلعَب الذي أثَّثَهُ مع أصحابه ولم يبق من ذلك اليوم سوى كلمته التي لم ولن تُمحى من ذاكرتِي ما حييتُ، سأَصل لحُلمي وسيصِير لي مال وسَأُغيّرُ حَال قريتي قبل حال عائلتي المصغّرة، سأبني مشفى ليعالج جدّتي الفقيرة مجانًا وسأبعث أعمدة نور كهربائي في كلّ شبر لنرى أنفسنا ليلًا.

يومها أدركت أننا نحن أسياد القوم وإعلاميو بلادي هم أرذل القوم لأنّ أحلامنا صَادِقَةٌ وكلامهم كذب وبيع لأَوهامٍ هي في الأصلِ لنا حقوق قبل أن تَكونَ أحلامًا بِيعَت لنا بأغلى الأثمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد