نعم؛ وبعد أن غرس المثل الشعبي «خالف تعرف» جذوره في عقول المشاكسين، أعلن عن رغبتي الكامنة بالتخلي عن حلم «الشهرة» التي أصبحت الهدف الذي يعيش من أجله ذلك الطفيلي! وصلنا إلى هذا الزمن المتقدم، إنه القرن 21 ولا يزال بعض الأفراد لا يفكرون، نتوقف هنا، لا نظلمهم، بل إنهم يفكرون ولكن من أجل مخالفة السائد! فترى بعض الأفراد بل وحتى بعض الدول جعلت من المثل الشعبي «خالف تعرف» كتابًا مقدسًا تتبعه في مجادلة أي شيء ينافي آراءهم، فقط من أجل التميز والاختلاف عن غيرهم، حتى لو كان تميزهم هذا خاطئًا! لا أحد يعرف، هل هو شعور بالنقص؟ أم سلوك منبوذ؟ أم ماذا؟ لنغوص قليلًا ونجزئ هذا الإفراد، الذي تتبع هذا المبدأ «العقيم» من وجه نظري الخاصة.

فبعد الطفرة النوعية التي حصلت للتكنولوجيا في العالم، وأخص به العراق على وجه التحديد، وما شهدته حقبة التطور هذه من تغييرات على الصعيدين المعرفي والثقافي، نرى وبشكل كبير أن أيديولوجيات الأشخاص بل وحتى الدول قد تغيرت أيضًا، وكأنها «جهاز إلكتروني» يحتاج إلى تحديث، حتى لو لم يكن محتاجًا له، فبعد أن كانت الموافقة على شيء ما أو حدث ما تتطلب بعض الآراء واختيار المناسب منها، ودرس المعارض بكل موضوعية، وتقبل الرأي الآخر، أو رفضه إذا كان مخلًا بالموضوع، ولا يمت له بصلة، هذه الأمور سرعان ما انقلبت رأسًا على عقب، وبات «الاعتراض ومخالفة السائد» هو «مهارة» كما يطلق عليه البعض؛ من أجل أن يتميز بين أقرانه، ويشعر بأنه هو «الأصح» بالرغم من علمه بأن رأيه هو المخالف والخاطئ، ولكن هذا الشعور لا يمنعه من الاستمرار في هذا السلوك المنبوذ، فالوصول إلى «الشهرة والتميز» بات حسب تفكيره «بمخالفة كل ما هو سائد في المجتمع».

مَنْ الذي يتبع هذا المبدأ؟ وهل اختلافهم من أجل «التميز» يقتصر على مخالفة الآراء فقط؟

يقول دكتور «سعود الغانم» إن «خالف تعرف» هو سلوك متجذر في نوعين من أربعة أنواع معروفة من شخصيات الناس؛ الأول «العقلاني» الذي يبحث عن معلومة نادرة وغير شائعة للآخرين ويتهمه البعض بأنه يخالف من أجل المخالفة ولكنه سوف يثبت لهم العكس، ‏وهؤلاء يتبنون أحيانًا آراء علمية أو دينية غير شائعة، فيتشبثون فيها على اعتبار أنها أمر موجود. أما النمط الثاني فهو «الحرفي»، وهذه الحالة تخالف باستمرار السائد في المجتمع، فهي تحب أن تكون تحت الأنظار ووسيلتها في ذلك مخالفة أنماط التفكير الأخرى، مثل «العقلاني» و«النظامي» و«المثالي».

وربما هذا سبب «الغرابة الواضحة في ملبسه ومفرداته وتصرفاته» كما يقول؛ ولذا كان الحل مع هذا النمط معرفة «ماذا يريد من حاجات لكي نشبعها» ومن هذه الحاجات «الانتباه؛ وإذا منح ذلك وفق المقبول اجتماعيًا سينسجم معنا، وسنحتويه» خصوصًا إذا بادلناه الأسلوب العقلاني نفسه.

عرفنا من هم الذين يسيرون بهذا النهج الطفيلي، ولكن المثير للجدل والغرابة أن الذين يسلكون هذا النمط من التفكير لا يكتفون بمخالفة الآراء فقط! إذًا ماذا يفعلون غير ذلك من أجل إثبات الذات، والتميز بين أقرانهم؟

من جملة ما يسلكه هؤلاء، ومن أجل تحقيق وتثبيت «خالف تعرف»؛ فهم يجتازون مرحلة مخالفة الرأي، فتجدهم يختلفون حتى في «ملبسهم» فتارة تراهم يبتكرون «موديلات» ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يمكن لشخص يمتلك عقلًا ارتداؤها، حيث إنها وبكل اختصار «غير صالحة للارتداء»، ولكن تجدهم يخالفون هذا الشيء، ويغضون النظر عنه فقط من أجل التميز متناسين أن التميز سهل والوصول إلى القمة أسهل، ولكن الصعب هو المحافظة على ذلك التميز والوصول.

لم يكتفوا بهذا الغرض والاختلاف من حيث «الرأي والملبس» بل نجد فئة أخرى من أنصار هذا المبدأ يلجئون إلى مزاولة أعمال هي أقرب إلى الكفر، وسب الذات الإلهية ليس أقرب، وبدقة أفضل هي كفر صريح وعلني من أجل ماذا؟ من أجل الاختلاف لا غير! فبحسب باحثين مختصين في القضايا الاجتماعية، عزى كثير منهم ظاهرة الإلحاد إلى أنها يمكن أن تكون من ضمن الأعمال التي قاموا بها أنصار «خالف تعرف» حيث بدؤوا في اللجوء إلى الإلحاد، وسب الذات الإلهية؛ ليتم تسليط الضوء عليهم ومحاورتهم، وبالتالي بروز أسمائهم بين أقرانهم، وبهذا وبحسب تفكيرهم «العقيم» فهم وصلوا إلى هدفهم.

أصبحت «خالف تعرف» عقدة نعاني منها في حياتنا وبيوتنا وميادين عملنا، فأفراد هذا المبدأ الذي تجاوز كونه مثلًا شعبيًّا، تراهم يعترضون لأجل المعارضة أو حتى قبل أن يفكروا بماذا سيردون؟!

باختصار سيبقى «خالف تُعرف» يمارس هذه الحاجة سلبًا أو إيجابًا؛ حتى يلتفت إليه أحد ممن حوله، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين لا يكترثون به!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد