إلى أي مدى ما زلنا نعيش داخل قناعاتنا المطلقة ونجعلها وحدها ميزان للحكم على الآخر؟ بغض النظر عن الجندر الذي يمثله ذكرًا كان أم أنثى، على الرغم من علمنا أن هذا الآخر ليس أسيرًا لدينا، لن أعيش في جلباب رجل، وعلى غرار لن أعيش في جلباب أبي عبارة نستخدمها نحن النّسوة ونلوح بها ونهدد ونتوعد كثيرًا، وقد تقفز إحدانا بين فينة وأخرى فاردة عضلات قلمها الأدبي ليجري مداده بما يتفق مع تلك العبارة الفضفاضة بمساحة قطعة ثياب، والتي تعني أنني كيان مستقل ولا تحكمني معركة الّلهاث الحياتية التي أنهكت المرأة والرجل في عملية رجحان كفة أحدهما على الآخر.

بيد أن الواقع الافتراضي الأدبي يأبى علينا تحقيق هذه العبارة؛ فالمُطّلع على مقطع طولي وآخر عرضي لما عليه جلّ الكتابات بأقلام أنثوية سيجد كم لوحتنا شمس عباراته متراوحة بين شدة الوجد، العشق، والوله وسيل العواطف الجارف خلف رجل؛ ذاك الذي يهوي بنا في خضمه في أزقة هذا العالم كما هذا الفضاء الإلكتروني.

في عالم الأقلام ليس سهلًا أن تحافظ على اختلافك عما يحيط بك، فطأطأة الأقلام هي صورة منعكسة للمثل القائل: «طأطأة  الرأس بين الروؤس تعد شيئًا من الحنكة»، بيد أنّها هنا حنكة المعركة الأدبية وذلك حتى تكون محافظًا على جريان سيل الكتابة والحروف فلا ينقطع بذلك مدادك الموصول مع قلبك بحفنة مشاعر تجري عبر هذا العالم، فتنال استحسان الكثيرين من جمهور المرأة العاطفي والذي تروقه هذه القنوات التي يجري فيها سيال المشاعر مخترقًا الفضاء الإلكتروني ليبث على نفس تردد المشاعر التي بتنا نفتقد الكثير منها في علاقاتنا الإنسانية؛ وعليه تنجح تلك الكتب والكتابات التي تصدر المواضيع العاطفية بين طياتها وتحقق ما يرومه كاتبها.

ولو رجعنا بالبحث قليلاً لعرفنا أين كانت البداية التي انطلقت منها حواء باحثة عن نصر مؤزر يطيح بشريكها الإنساني على هذا الكوكب، لو رجعنا قليلاً للفلسفات القديمة والنظرة للمرأة قبل نشوء الحضارة وعمارة الكون كان الصراع الأزلي بين الأنوثة والذكورة، إذ تحكي الأساطير أن المرأة قادرة على الخلق لأنها خصبة تهب الحياة بينما الذكر غير قادر ولهذا سلبها الذكر السيطرة بعد حروب خاضتها الآلهة الأسطورية لتحقق النصر الذكوري وتصبح ذكورية، وعليه تطورت الحضارة والكتابة التي تعتبر أهم منجزات الذكورة ومساهمتها في المدنية وباتجاه الحضارة مجددًا نحو الصورة تتصدر الأنوثة والأمومة المشهد مجددًا؛ فارسات، وإعلاميات، وكاتبات وسياسيات، زحف أنثوي، وهذا بمرجعية التاريخ والأساطير المروية التي رفعت البعض وخلدتهم عبر الزمن وجعلتهم فوق أسوياء البشر، وأيضًا في حديثنا عن المرأة نحن أمام معطى بيولوجي طبيعي من جهة، ومن جهة ثانية أمام توظيف اجتماعي تاريخي يحوّلها إلى عنصر أساسي في الصراع، فالمرأة بحكم تكوينها ووظيفتها الاجتماعية والأدوار النّمطية التي تعيشها لا تستطيع الخروج من ظل عباءة الرجل حتى في تجسيدها لأدوارها المجتمعية ويتجلى هذا بوضوح في ما يسمى الأدب النسوي، وما يحتاجه هذا الموضوع المتشابك هو فقط عدم الخلط والقدرة على التفكيك والتمييز بين ما يمكن أن يسمى أدبًا نسويًا واجهته وعمقه العاطفة واجترار الرجل باعتباره ندًا عاطفيًا وليس شريكًا إنسانيًا مما يسلب الأدب ثراءه المبني على التنوع وبين الأدب الذي يمكن للعاطفة أن تكون جزءًا حيويًا منه بصفتها مركبًا شخصيًّا أنثويًا بارزًا يدخل في الأدب ليثريه، وبين هذه وتلك يحدث الخلط ولأنه واقع أدبي يستحق الطرح نتمثل ما قال الإمام الغزالي إن الذكورة والأنوثة هما الأقدام التي تمشى بها الإنسانية، أو الأجنحة التي تعلو بها، ما يستغني أحدهما عن الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد