مرت أوقات عصيبة بموجة ثورات الربيع العربي الأولى، وانتهت بنتائج أقل ما يقال عنها إنها مخيبة للآمال. حاولت كل ثورة أن تتقي أخطاء من سبقوها رافعة شعار أنها لن تعيش في جلبابها، ولكن دون جدوى. حاولت تونس تجنب مصير مصر، ومن ثم تراجعت جماعة الإخوان فيها، فأعادت انتخاباتها الانقلابية إنتاج نظامها القديم. حاولت مصر تجنب مصير سوريا بكل الحيل، فالتفت جماعات من الثوار حول عنقها فاختنقت لتلفظ بشارًا آخر. أما عن سوريا واليمن وليبيا فوقعوا في أخدود نار مستعر كان مخطط لمصر أن تلحق بهم فيه، لولا سلمية الإخوان التي هي مثار سخرية مجاهدي الكيبورد حتى اليوم. كان البرادعي يبشر بحرب أهلية منذ اليوم الأول لثورة مصر، وكنت أرى بوادرها في مناسبات ثورية عدة، إلا أن رعاية الله كانت تنقذ هذه البلاد البائسة من مصير أكثر بؤسًا؛ ولما لم يتحقق الهدف، استدعي بشار مصر الناس بعد انقلابه ليفوضوه فيؤجج حربًا أهلية بالوكالة، وتتدخل رحمة الله للمرة الثانية ويفشل في ذلك.

بدأت موجة الربيع العربي الأولى بثورة تونس، ثم مصر، ثم اليمن، ثم ليبيا، ثم سوريا، وتتبعها هذه الأيام موجة ثانية، لتلحق ثورة الجزائر والسودان بأخواتها. رفع الجزائريون والسودانيون لافتات يحذرون فيها أنظمة بلادهم من تكرار سيناريوهات انقلاب على ثورات مجاورة، ويرسلون إلى من سبقوهم بالثورة رسائل طمانة أنهم قد استوعبوا الدرس، ولن يقعوا في حفر العسكر. اختص ثوار الجزائر والسودان مصر بالذكر على اعتبار أن بعض المتابعين والمحللين روجوا لفشل القيادات التي مثلت ثورتها بعد سقوط النظام القديم.

يحذر المصريون إخوانهم الثوار كي لا يتركوا الميدان، ظانين أن هذا هو مفتاح نجاح الثورة أو كما يخيل إليهم، ولم يتعلموا ان الجيش يصبر وحين يفرغ صبره يحرق ويقتل ويحول الثوار لحائط رجم، ينصحونهم بالبعد عن الشقاق، والحقيقة أن الخلاف قد دب في صفوف الثوار بالفعل وسيكبر بمرور الوقت إلى أن يصير صدعًا عميقًا، يؤكدون أنه يتوجب على الثوار أن يتخلصوا تمامًا من العسكر، وهذا تصور خيالي، فكيف سيتخلصون منه وهو من انتظروه ليتقدم ليخلصهم من الرئيس القديم؟ هل يعقل أن يترك لهم الأمر وهو ضالع في الفساد كرئيسه، لماذا يتناسى المتأنقون على الشاشات دائمًا أن من بيده السلاح هو من يقرر!

دعوني أقص عليكم باختصار قصة ثورة مصر التي حولها المنقلبون عليها لمادة للسخرية دون أدنى شعور بالمسئولية نحو ما آل إليه حالها بأيديهم لا بأيدي من قتلوا على ابوابها، ومن ما زالوا يعذبون في سجونها ومعتقلاتها.

في مصر، كانت جماعة الإخوان المسلمين هي قاطرة الثورة كما في جميع ثورات الربيع العربي؛ كانت هي القلب النابض بالحركة لما لها من ثقل وتأثير وتجذر في نهر الشارع المصري. أطلق شيوخ أحزاب قديمة بمن فيهم الإخوان شرارة كفاية، وتبعتهم حركات وليدة التحم بها شباب الإخوان ليوقدوا ثورة اهتز لها العالم. تأنت الجماعة في نقل مفهوم الحراك المعارض إلى ثورة إلى أن أعلنت الجماعة النزول للميدان. وليس الطفل كالكبير عند اتخاذ القرار.

الخطوة الأولى: رفضت الجماعة نداءات العسكر لمفاوضات مغلقة إلى أن وصل الأمر للتهديد المباشر من لواء أركان حرب عمر سليمان على شاشة إحدى القنوات أن عليهم الحضور وإلا… بشهادة القيادي محمد البلتاجي وآخرين، كان الإخوان يصرون على وجود شهود في أي جلسة مع العسكر حتى لا تثار حولهم الشبهات، وبالرغم من ذلك لا يزال المغالطون يتهمونهم بالتآمر والخيانة.

الخطوة الثانية: مزج الإخوان بين الأداء الثوري والإصلاحي؛ فالثورة في الميدان للضغط، والإصلاح التدريجي في المجال السياسي حتى لا يفلت زمام الأمور وتسقط الثورة في أيدي العسكر. دعم الإخوان تعديل دستور 1971 في استفتاء مارس (آذار)، حتى لا يحدث فراغ دستوري يخلف فوضى يتحتم على إثرها أن تصدر القوات المسلحة إعلانات دستورية مجحفة كما حدث بعد انقلاب 2013، وحتى لا تتحكم في اختيار أعضاء لجنة اعداد الدستور لتتلاعب به وبهم، ثم تدعوهم على حفل عشاء لتوزع عليهم نسخة دستور مختلفة كما حدث في دستور 2014.

الخطوة الثالثة: غامرت الجماعة بشعبيتها، حين دفعت نحو استكمال انتخابات مجلس الشعب، برغم إعلان القوى المدنية إيقاف حملاتها اعتراضًا على مذبحة محمد محمود. صبت هذه القوى جام غضبها على الجماعة ليس لموقف أخلاقي في الحقيقة؛ فشباب الجماعة كانوا من المشاركين في الحدث، ولكن انتقامًا منها لأنها استطاعت التأثير شعبيًا لتمرير الموافقة على تعديل الدستور، وكانت هذه القوى قد اعترفت أن اجراء انتخابات في هذا التوقيت سيحسم لصالح جماعة الإخوان، وأنهم يحتاجون وقتًا لتجهيز أحزاب مضادة، لذلك كانت موقعة محمد محمود فرصة سانحة لشق صف الثوار وبداية شيطنة الجماعة.

الخطوة الرابعة: حصدت الجماعة نحو 47% من مقاعد البرلمان نظرًا لتاريخها القديم وارتباطها الوثيق بالمواطن قبل الثورة، ذلك الارتباط الذي لم يجتهد منافسوها للحصول عليه قبل أن ينادوا بالنزول للميادين! فهل يعقل أن يقوم شعب بثورة ضد ضبع، ثم يطلب منه الانتظار حتى يتجهز ليجهز عليه؟ وهل من الطبيعي أن تعيش أحزاب كل هذا التاريخ دون تأثير يظهر في ثاني استحقاق انتخابي في مصر بعد الثورة؟ وهل من الجائز أن تستقوي هذه الأحزاب بمن ثاروا ضده ليؤجل انتخابات ستقصيه لأن من سيفوز بها حتمًا سيكون رفيقهم في الميدان؟

الخطوة الخامسة: استمرت الجماعة في النزول منذ أيام يناير الأولى وحتى بعد فض رابعة والنهضة في محاولات للضغط المستمر على النظام الفاسد بأوجهه المختلفة. انضمت الجماعة ونادت مع الثوار بضرورة رجوع العسكر لثكناتهم وتسليم السلطة للمدنيين، وتحقق ذلك بالفعل، واضطر العسكر لتسليم السلطة والدعوة لانتخابات رئاسية.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد