حين تنشأُ في وسطٍ محافظ ملتزمٍ بتعاليم الإسلام وشرائعه وتتأثرُ بمحيطك الذي اتخذ من الإسلام طريقًا ونهجًا للتحرير، وتتشرُّب من أخلاق الصالحين وتكبرُ في دور القرآن طامعًا أنْ تكون على خطى أولئك القادة والشهداء والأبطال فإنني أقرُّ وأعترفُ بأنني وقتها كنتُ مسلمًا بالوراثة ولم تكن لديَّ أسئلة وشكوك، وكنتُ أقرأ في كتب العلم وأتلقَّفُ ما فيها باعتبارها مسلَّمات، ولم أكن أختلطُ إلا بأهل القرآن والدين والتقوى، حتى وصلتُ لنهاية مرحلة الثانوية العامة، حين قررتُ وبعد صراعٍ وعناءٍ مع النفس وبعد ضغوط ومحاولات حثيثة بإقناعي للسفر إلى الخارج، «الخارج» تلك الكلمةُ التي لم أكنْ أعلمُ عنها إلا القليل مما يخيف، خوف على الدين والتقوى وعلى حفظ القرآن والعقلية التي نشأتُ بها، ولكنني بعد صلاة استخارة أخيرة قررتُ خوض غمار تجربة كهذه، فإنَّ البقاء على خطوط الدفاع ضعف وانسحاب، وكما علَّمتني كرة القدم التي كنتُ أعشقُها أن أفضل وسيلة للدفاع أن تكون على خطوط المواجهة، وبذلك التحدي والإصرار غادرتُ بلدي لأرى وأعرف ما تخبئه لي الأيام وذلك المكان.

وبعد مكوث طويل في أحضان غربة قاسية، عرفتُ ما يعني ذلك الانتقال المفاجئ من وسطٍ ملتزم لوسطٍ يبدو فيه كل شيءٍ مسموحًا ومتاحًا، كنتُ أحاول دومًا أنْ أبدوَ بمظهر القويِّ الصنديد، الذي قيل له يومًا: «ما دمت على الحق لن يزعزع إيمانك شيء».. ربما كان قائل هذه العبارة مصابًا بفرط الحماسة والإثارة، فحقيقة هأنذا أتغيَّر وأغلِّف هذا التغيير معنونًا: الوسطية بين الالتزام والانفتاح، وبدأتُ أتقبَّلُ مجموعةً من الأفكار التي كنتُ أرفضُها سابقًا، كنتُ دومًا حريصًا على أن أجد المبرر، ولكنْ هذه المرَّةُ كان الأمر مختلفًا، كان سؤالًا صعبًا بعد حوارٍ خضته مع فتاة مثقفة بصبغة فرنسية، تتدعي أنَّها تتنفس أنسام الحرية بثقافة الإنسانية التي كانتْ تراها الدين الأفضل والملائم للجميع، أو ربما كانتْ تمتحنُ إيماني وجلدي فقالت: هل تقبلُ أنْ تتزوج فتاةً من غير حجاب؟ كان صمتي سيد الموقف حتى قلتُ ومن دون مراجعة لنفسي: نعم أقبل! ربما تسرعتُ دفاعًا عن ديني وخوفًا من أنْ يُتَّهم بالعنصرية كما يشاعُ عنه في الوسط الذي نشأتْ فيه تلك الفتاة، ورحتُ أبرر: أنَّه لا ضير في ذلك، وأنَّ الحجاب سيكون بالتوافق بيني وبينها وأنني سأقنعها به أو أنَّها بالتأكيد ستفعل، المهم أنني قبلت.

حتى وبعد أعوام من تلك الغربة لم أنسَ ذلك السؤال يومًا، والذي ما زال يُطرحُ عليَّ دومًا وكثيرًا ما أتحاشى الإجابة عنه، ولكنني أحببتُ أن أخرج عن صمتي وأقول: لا، لن أتزوجها من غير حجاب! فما الأسباب؟

إنني وبعد زمن وبعد تدارسٍ للسؤال مع نفسي فإنني أدركتُ أنني لم أكنْ مقتنعًا بإجابتي الأولى، وليس في قول: لا، ما يعيبُني أو يعيبُ أي فتاةٍ من غير حجاب، إنما هذا خيارٌ ككلِّ اختيار نفعله في رحلة البحث عن النصف الآخر، لا يُلغي الآخر ولا يعني أنه الأفضل المُطلق، بل نبنيه على محددات وضوابط تساعدنا على أنْ يكون الاختيار صحيحًا وملائمًا لعمرٍ كاملٍ تقضيه مع شخص هو بالنسبة لك كلُّ شيء.

إنَّ التزام الفتاة بالحجاب كمظهر -ما لا يصف ولا يشف ويغطي كامل الجسد عدا الوجه والكفين- هو التزامٌ ظاهريٌّ ولكنَّه يعكس حقيقة تقبِّل الفتاة للأمر الربانيّ ويعكسُ كذلك جزءًا من تقواها، فالحجاب بشقيه الظاهري والباطنيّّ تجمعهما علاقة تناسب ومواءمة، وإنَّ ما يُشاعُ بين أوساط الشباب من أن التقوى موضعها القلبُ فحسب كلام مغلوط، نعم؛ ربما أساءت بعض تصرِّفات بعضٍ من المحجبات للحجاب ودوره باعتباره مؤشرًا للتقوى، ولكنَّ ذلك لا يمسُّ جوهره ولا كونه فريضةً لا غنى عنها.

إنَّ من علامات سلامة القلب إيمانًا ويقينًا بحكم الله وشرعه أن يعكس تلك السلامة لتبدو جلية على ظاهره، وفي هذا يقول الإمام الشافعي:

تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّه

هذا محالٌ في القياس بديعُ

لو كان حبك صادقًا لأطعتهُ

إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ

إنَّ صفاء الحياة الزوجية واستقرارها يقتضي توافقًا وتفاهمًا، واستيعابَ كلِّ شريكٍ للآخر، فهما اختلفت آراؤهما وتطلعاتهما فإنَّ الأُسس التي بُنيَ عليها ذلك الزواج ليكون ناجحًا لا بُدَّ من أنْ تكون متينة لا تمسُّ جوهر الدين ولا أحكام الإسلام وشرائعه، فالقرآن حدَّد زينة المرأة بمحددات قطعية ملخصة في الآية ٣١ من سورة النور، ومن هنا فإنَّ هذا الاختلاف الجوهريِّ في أساس من أسس العقيدة -فيما لو تزوجتُ بغير محجبة- سيكون منشأ إشكالٍ وسينعكس على الأسس الأخرى سلبًا، فلم لا يكون التخطيط مناسبًا من البداية وتُتَجنَّبُ كل هذه الصراعات، وكما قيل: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج».

إنَّ عدم الالتزام بالحجاب يعكسُ مزاجية بشرية بحتة في التعامل مع ما لا يُقبلُ طرحه على أنَّه اختيار، فتعبثُ مزاجية الإنسان بفرائض واضحة، مما يعكسُ قابليتها للتعامل مع فرائض أخرى بذات الطريقة وبالتدريج قد يتفلّتُ المرءُ من دينه شيئًا فشيئًا، ممَّا يؤدي لظهور نزاعٍ فكري واضطراب لمنهج الحياة الذي سأرسمه وإياها، وبالمثل سيحرمني ذلك-في حال تزوجتُ بفتاةٍ من غير حجاب- من توافق فكري واستقرار نفسيِّ وعاطفيّ وبالتالي سيجعل الحياة ولو مستقبلًا صعبة الاستمرار فلا ضمانة أنَّ الأمور ستتبدل أو سيقتنع أحدنا بنهج الآخر وفكره.

أمّا عن فتاة الحجاب فتلك فتاةٌ ستأخذ بيدي للدار الآخرة بأمان وطمأنينة، تعينني على ديني وتيسر لي أمري وهذا فعل زوجات وأمهات المؤمنين مذ أشرق نور الدعوة وانبثق فجرها، فلا أرى أيَّ مسوِّغٍ لاختلاف جوهري كالاختلاف على جوهر الحجاب ليكون اختلافًا مقبولًا، فبعضُّ الاختلافات تفسدُ للودِّ كل قضية، وعمادُ الزواج ودٌّ ورحمة، ولا استمرار لأحدهما دون الآخر.

إنَّ الإيمان ليس بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، بل ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، وهذا ينفي مزاعم البعض بأن التقوى تكتملُ في القلب دون الحاجة للظاهر، فكيف للبعض أن يصدقوا مزاعم من قالوا بأن الحجاب ليس فريضة وراحوا يبحثون في كتب اللغة ويستمعون لشذاذ الأفاق ويحللون لأنفسهم ما لم تحلّه أمة كاملة على مدى العصور، فكيف بالدين الذي أمر بغضِّ البصر وأمر المرأة ألا تبدي زينتها ألا يأمرها بتاجٍ يحفظ تلك الزينة في مستقرِّها ومستودعها، ولهذا كلِّه فإن فتاة الحجاب فتاةٌ قدَّمت الإيمان والتقوى على كلِّ مغريات الحياة وجعلتْ أمر الله سرَّ سعادتها وفلاحها في دار الدنيا الفانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد