الزواج قسمة ونصيب هذا ما علمته إيانا الأفلام العربية، وهاته الجملة تعتبر الأنسب لتبرير ضعف من أخل بميثاقه مع حبيبته أو خطيبته، فهذا الارتباط المقدس القائم على الخلود، لا دخل لاختياراتنا ورغباتنا فيه، تارة ينصفنا النصيب وتارات أخرى يخذل هوانا.

لكن السؤال الذي يكرر نفسه دومًا في مجتمعات الشرق الأوسط والبلدان المسلمة، هل الزواج أمر أساسي في حياة الجنسين معًا أم أن العنوسة شبح يتربص بالإناث فقط؟ فلم نعتد أن نسمع شاب هجر كراساته من أجل الزواج وتكوين أسرة، لكن كثيرات هن من بنات حواء فضلن الزواج على الاستمرار في التحصيل العلمي خاصة في العالم العربي.

في أول يوم تدريب لي بمؤسسة إعلامية التقيت وأنا في طريقي صوب وجهتي امراة شابة في الثلاثينيات من عمرها، تبدو متحررة أو هذا ما أوحى لي لباسها وطريقة حديثها التي كانت خليطًا بين اللغة العربية العامية واللغة الفرنسية. بقيت بجانبها طوال الرحلة التي تتجاوز في الغالب الخمسين دقيقة، أثارها الكتاب الذي كنت بصدد قراءته والذي يفصح عن مجال دراستي، فانتظرتني حتى انتهيت من المطالعة لتطرح علي بعض الأسئلة بخصوص الكتب، وما إذا كنت قرأت بعض العناوين التي ذكرتها، ليتضح لي فيما بعد أنها كاتبة شابة.

تجاذبنا أطراف الحديث من أحلام الطفولة إلى الأدب وصولًا عند تحديات مهنة الصحافة، حتى وجدنا أنفسنا في وسط سجال حول موضوع الزواج. أحببت اللهفة في عينيها عندما كانت تتكلم عن عائلتها الصغيرة اللطيفة، لتختم بعد ذلك حديثها حول نفسها، بأن مكان المرأة الطبيعي هو بيت زوجها، ودورها الأساسي هو الإنجاب وإيلاء الاهتمام لعائلتها وهذا ما خلقها الله لأجله، لتتوعد قاسم أمين الذي حلم بتحرير المرأة بالقتل، على ما جعل النساء يعانينه عندما تركن بذخ ورفاهية العيش تحت جناح الزوج والتوجه إلى العمل.

لتردف أنه لا ضير في تعلم المرأة ما دام بغرض تثقيف النفس لا العمل، فحتى عملها كاتبةً تعتبره ترويحًا عن النفس وبوحًا تحتاجه بين الفينة أو الأخرى، وليس بهدف الربح أو الشهرة.

كتمت غيظي رغم أنه كان باديًا على محياي، فكيف لي وأنا التي يلقبني أقرب الناس لي بالـ«فيمينيست» المتعصبة، أن أتقبل مثل هذا الكلام الذي لا يتعدى عن كونه هراءً، لكن طيبوبة المرأة أرغمنتي على تحريك رأسي يمينًا شمالًا بدون أية محاولة للهجوم المضاد، احترامًا لرأيها أيضًا.

رغم ذلك، فقد قدمت حججًا بلباقة أخبرها من خلالها أن غرضي من الحياة المجد والنجاح، وليس الإنجاب والكنس والطبخ، على الأقل الآن، هذا لأنها ما انفكت تقنعني بالزواج وتدارك عمري الذي يضيع وأنا التي لم تتجاوز بعد العشرين من عمرها، أخبرتها أيضًا أن الزواج والارتباط ليس بالأمر البشع، كيف له أن يكون سيئًا وهو رباط يجمع روحين تحابا وتعاهدا على الموت بجانب بعض، ولكنه ليس أولوية في حياتي ولن أعتبره أولوية طالما حييت. غير أنها رأت أنني امرأة شابة مغرورة بجمالها وصباها وسأبقى على هاته الفكرة، حتى أشيخ وحيدة وأموت منسية، لا شاهد على خروج روحي من بين أضلعي سوى الملائكة.

هذه الدردشة قلبت ليلي نهارًا وجعلتني مستيقظة أفكر في الأسباب التي تجعل النساء يخفن من «العنوسة» ويهرعن للبحث عن أي رجل مستعد للزواج، رغم أنه لا يستجيب لأحلامها ولم تذق في صحبته معنى السعادة والعشق.

سترونني أكرر هاته الكلمة بين قوسين لأنها خطأ، ولأنني لا أؤمن أساسًا بهذا المصطلح، سأستمر في حبسه حتى يفنى ويندثر من مجتمعاتنا العربية ومن عقول الشرقيات القويات؛ فلن نتزوج لنرضي المجتمع، لقد سئمنا الاستمرار في ابتداع وسائل إرضاء الغير على حساب تعاسة أرواحنا. فالخوف من التأخر في الزواج والجهل يدفعان الكثير إلى تزويج بناتهن القاصرات الحالمات الصغيرات، يقتلن كل ذرة أمل فيهن خوفًا من كلمة «عانس»، دون أن ننسى الفضيحة التي أبانت عن دفع آلاف المغربيات ملايين السنتيمات من أجل شراء زوج تركي وسيم يتفاخرن به، كل هذا ليطلق عليهن لقب المتزوجة.

ما العيب في انتظار شريك العمر أربعين سنة أو خمسين؟ لربما رجل أحلامك ستجدينه في الستين أو السبعين، لا عمر للحب ولا دين للعشق ولا قواعد للهوى، لا تدعوا نمطية المجتمع تؤثر على سعادتكم أولستم تطالبون بالاختلاف والحق فيه؟

وكفوا عن محاكمة بنات جلدتكن ممن اخترن الاختلاف، فقد قال تعالى في القران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ}، ولا توجد آية تعظم المرأة المتزوجة وتذم الأخرى.

إن وجود رجل في حياة المرأة أمر ثانوي، بل أمر يمكن الاستغناء عنه ما دام الهدف وراءه سد أفواه بنات الخالات والعمات، والتباهي أمام الجارات، إنه لمن المؤسف والعار أن هذه الأفكار لا تزال قيد الحياة في القرن الحادي والعشرين، قرن استقلالية المرأة الفكرية والمادية والعاطفية أيضًا، فلا حب أعظم من حب الذات وتقديرها واحترامها، إلا أن تلتقي روحك بمن يكتب فيها شعرًا ويغدق عليها بالقوافي والأغنيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد