كلما ضاق أحد منا الآن سواء من ظروفه الشخصية، أو ظروف المجتمع والدولة ككل أيًّا كانت اجتماعية أو سياسية أو كليهما معًا، لجأ إلى تلك الجملة التي أصبحت معتادة هذه الأيام من كثرة تداولها وهي «أود السفر» أو لنقلها كما تُقال: «عايز أسافر أي حتة برة المخروبة دي»، إما إلى دولة بعينها يحلم بالعيش فيها أو حتى إلى أي دولة، فيقول فقط إن رغبته هي الخروج من بلده، ولكن إذا كان هذا الشخص يحلم أو يرغب بالسفر في تعبير غير مباشر منه برغبته في أن يحيا حياة أفضل من تلك التي يعيشها في بلده الأم، فإن الأمر لا يقتصر على هذا الناقم على أوضاع بلده، بل امتد الأمر إلى المؤيدين للأنظمة، ولكنهم يستخدمونها بطريقة أخرى «إذا كانت البلد لا تعجبك فاذهب إلى غيرها»، وكأنه يحتكر البلد لنفسه فهذه بلدهم وحدهم ولا يجب أن يشاركهم فيها أي مخالف لهم في أي أمر من الأمور، لأنه بهذا أصبح ليس منهم، إعمالًا بمبدأ من ليس معنا فهو ضدنا، ولكن هل أنت يا من تدعوه لترك وطنه وفرت له فرصة لمغادرتها، أو سمحت له حتى بأن يعبر عن رغبته بأن يغادرها؟ أنت هو نفس الشخص الذي يتهم هؤلاء الذين يرحلون أو حتى هؤلاء الحالمين بالسفر بالخيانة والعمالة. ولكن أن يكون مواطن عادي سواء كان مؤيدًا للنظام أو غير ذلك هو من يتفوه بمثل هذا الكلام، ربما نقول إن هذا نتاج الجهل الذي زرعته الأنظمة الفاسدة على مر عقود، ولكن عندما تخرج مثل هذه التصريحات من مسئولين في الدولة فهي حقًّا كارثة. فكيف يكون الشخص المسئول عن المواطن وأمنه ورفاهته هو من يدعوه ليرحل عن وطنه الذي تعد من ضمن مسئولياته أن يحتضنه فيه؟!

إنهم يضيقون عليك حريتك، ثم معيشتك، ثم أحلامك لتصبح أقصاها السفر خارج الوطن، ثم يقولون إن لم يعجبك الأمر فلترحل أو بمعنى أصح إن استطعت ذلك فلتفعل. وبهذا يكون قد حقق النظام مراده بالسيطرة على الخيال؛ لأن النظم المستبدة دائمًا ما تخشى الخيال، لأنها تدرك مدى قدرتك إذا امتلكته، فهي تعرف ما يعنيه أن تكون حالمًا، فإذا حلمت بحياة أفضل حتمًا ستحلم بالتغيير، وإذا فكرت بالتغيير فسيصبحون هؤلاء هم أول من تزيحه عن طريقك؛ لذا فهم يجعلون أقصى أمانيك أتفهها، لذا فالحلم جريمة في مثل هذه البلدان، وأن تكون حالمًا يعنى أن تكون مذنبًا تستحق السجن أو القتل، وذلك بالطبع يتوقف على قدر حلمك؛ لذا فاحذر أن تحلم بغد أفضل، أو حتى بوطن بلا تعذيب.

ولكن هل لاحظت أنهم وهم يقتلون فيك الحلم، يقتلون شيئًا آخر بداخلك؟ إنهم يقتلون هويتك وانتماءك إلى وطنك الذي هو منك كما أنت منه، حيث أصبح أقصى أمانيك الهروب خارج وطنك -حتى ولو كان هدفك هو أن تتمكن من أن تحيا الحياة الكريمة التي تستحقها- ففي الماضي كان النفي خارج البلاد هو نوع من العقاب، أما الآن فالجميع يتمنى أن يحظى بمثل هذا العقاب. وقد نجح هذا الأسلوب في أن يحول البعض من ناقمين على أوضاع بلادهم وأنظمة حكمها إلى كارهين لتلك البلاد، حتى أن جملة مصطفى كامل الشهيرة «لو لم أكن مصريًا لوودت أن أكون مصريًا»  فقدت معناها في وقتنا الحالي.

لذا فهذه الأنظمة بالفعل نجحت في أن تقتل فيك الحلم، وتقتل فيك الانتماء، وتقتل فيك الإحساس بالحياة، قتلوك جزءًا تلو الآخر حتى أصبحت ميتًا على قيد الحياة؛ لذا فقاوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصريًا
عرض التعليقات
تحميل المزيد