المسلسل الذي عرض عام 96 لأول مرة، والذي هو واحد من أشهر المسلسلات فى تاريخ الدراما المصرية لليوم عن رواية لإحسان عبد القدوس، الذي اتسم باختياره العناوين الطويلة لقصصه والتي تظهر وكأنها شعارات تلخص وتروج للعمل الذي يقدمه، وقد أصبح اليوم ثيمة تتكرر حولنا على مواقع التواصل الاجتماعي منها كفيسبوك والوظيفي كلينكد – إن بحكم احتكاكه بقضية ريادة الأعمال، وتفصيله في دخول سوق العمل، ولربما يتحول ذلك يوما ما لظاهرة ثقافية تستحق الدراسة.. من يدري؟ هذا يضاف لكونه عملًا دراميًّا متميزًا على كل حال، هذا بشأن المسلسل الذي شاهده الكثيرون، ولكن ماذا عن الكتاب الذي بنى عليه المسلسل؟

الرواية المتوسطة التي تقع في حوالي 150 صفحة، تدور أحداثها في سياق علاقة غير شرعية تبدأ بين الباشمهندس حسين ونظيرة ابنة الحاج عبدالغفور البرعي وتنتهي بالزواج، وتحكي عن حادثة رئيسية واحدة هي زواج أخيها عبدالوهاب من الشابة الأمريكية المسلمة روزالين / أمينة، والتي تنتهي بالطلاق.

الشخصيات الرئيسية في القصة الأصلية هي نظيرة وحسين وعبدالوهاب وأمينة مع وجود هامشي لشخصية الأب عبدالغفور البرعي وشخصيات أخرى، وخلال قراءتك ستعتقد أن نظيرة هي الشخصية التي ترفع شعار «لن أعيش في جلباب أبي» في القصة الأصلية والتي ارتأت أن التعليم والزواج هما ما تحتاجه للتحرر، وذلك على عكس المسلسل الذي يروي قصة النجاح المادي والصعود للرجل الأمي عبدالغفور البرعي من القاع إلى قمة الثراء بشكل شبه مفصل ويسلط الضوء بشكل أكثر تفصيلا على صراعه مع ابنه عبدالوهاب في محاولة منه لإثبات ذاته.

بين المسلسل والكتاب اختلافات كثيرة من حيث مقدار اهتمامه بالشخصيات المختلفة، وزوايا النظر للأشياء، وإعادة صب الاهتمام على الشخصيات والأحداث بشكل مختلف حتى إن كليهما يحتوي شخصيات وأحداث ليس لها وجود في الآخر.

ولكون المسلسل كان أكثر تفصيلا فيما يخص الجزء الخاص بالحياة العملية للحاج عبدالغفور، فسيكون المسلسل مرجعنا غالبا خلال استعراض فكرتنا التي تدور حول سوق العمل وريادة الأعمال.

تدور معظم أحداث المسلسل في وكالة البلح مما يجعلها بيئة خصبة لاستعراض عدد كبير من قصص النجاح وعدد أكبر من طموحات الأشخاص ومحاولاتهم، ونفوسنا بطبيعتها تحب سماع قصص النجاح خصوصًا تلك التي تنتهي بالفوز وبالثراء لأبطالها والتي هي نادرة عندما تبحث عنها في أعمال الدراما المصرية وكأنها خيال علمي، في إشارة لواقعنا البائس، فيستعاض عنها بقصص النجاح الغربية وحتى أنا اندمجت خلال شهرين فائتين في قراءة كتب السير ومشاهدة أفلام وثائقية كالتي تروي حياة أشخاص كستيف جوبز وبيل جيتس ومارك زوكربيرج.

تحتوي قصة المسلسل على عدة قصص نجاح عملية وتشمل تقريبا كل أنماط الشخصيات التي يمكن أن تقابلها في السوق – أي سوق –.

عبدالغفور البرعي رائد الأعمال العصامي الذي بدأ من الصفر في مجال الخردة وتصنيع الحديد بأفكار جهنمية وجهد لا ينقطع حتى وصل للقمة، ونحن اليوم نشكو من عدم قدرتنا على رؤية الصفر ذاته، والحاج سردينة المدير الملهم الكفؤ، يكفيك أن تعلم أن هذه الشخصية بالكامل ليس لها وجود في الرواية.

وفهيم أفندي المستشار المتعلم الكفؤ الذي قد تشعر أنه بلا طموح، يكمل ما ينقص مديره ويضع علمه وعقله في خدمة عقل الحاج، وعبدالوهاب الذي يتقلب في المجالات فيسافر بالخارج يدرس عدة مجالات منها الكمبيوتر حتى يجد شغفه النهائي في نفس المجال الذي طالما دعاه والده للعمل به ولكن هذه المرة مستقلا وندا له، وفاطمة وأخيها أصحاب عربة الكشري اللذان يكدان لكسب قوت يومهما فقط، ونظيرة التي ترى أن تحررها واستقلالها هو بعبورها بوابة التعليم، وعدد كبير من الشخصيات الأخرى التي منها من هو على النقيض.

ونرى في الطريق عدة أشخاص يبتعدون عن ثراء آبائهم ويرفضون العيش في عباءاتهم، يبدأون من جديد في محيطهم فيفشلون مرات ثم ينجحون في الوقوف على أقدامهم.

والفتاة ذات العقل الأمريكي بامتياز، تلك التي تفعل كل جهدها للكسب وتحقيق الشعور بالأمان فتعمل طبيبة متخصصة في اللثة وفي نفس الوقت تتاجر في الأحذية، وتعمل على إقناع زوجها للعمل مع والده وتستميت في تقديم عروض الشراكة بينهما أو طلبات توظيفها هي لدى المليونير. شخصية روزالين قدمها المسلسل بشكل سيء واستغلالي رغم كونها من الناحية العملية مكافحة ولا تكف عن المحاولات.

تقريبًا لدينا كل أنواع الشخصيات التي يمكنك تقابلها في حياتك العملية: المجتهد والكسول، الطموح وفقير الطموح، الأمي والمهتم بالتعلم والحاصل على أعلى الشهادات، نمر فيه معهم بالعديد من العقبات الواقعية بامتياز فما بين ضغوط المديرين وأصحاب العمل وبين المنافسات غير الشريفة من الزملاء والفقر الشديد وعدم الاستقرار وعدم القدرة على تحديد الشغف والبحث عن التمويل ونرى فقر التعليم أو الخبرة، وكذلك تقلبات السوق وخدعه، فالقصة هنا هي مغامرة واقعية بامتياز. نرى أيضًا نماذج من العمليات الصغيرة والكبيرة التي قادت الحاج عبدالغفور للثراء، وفي هذا تبدو وكأنها حلقات توثق للحياة العملية لرجل أعمال حقيقي على ناشيونال جيوغرافيك، وهذا بالنسبة لي من أمتع الأشياء وأكثرها إفادة.

تختلف القصص وتتداخل ويجمعها عامل مشترك واحد هو العمل. وبالتالي فقد تقدم العديد من الدروس المفيدة والإلهامات لمن يريدون طرق أبواب سوق العمل الحر أو من دخلوه بالفعل عن طريق النمذجة وتسويق شخصيات مثل هذه من رواد الأعمال. كم نحتاج لهذا النوع من الدراما والقراءات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد