(1)

منذ أن ولدت في ذلك العالم وجدت نفسي أحمل عروس، وأسميتها “البنت” لا أعرف لما كانت أنثى! ولمَ لمْ أختر لها اسمًا كما لي! هي بالنسبة لي “البنت”.. هكذا!

 

 

 

 

أتوهم أحيانًا أنها تبكي وأُحمل نفسي مسئولية تهدئتها. أنهر نفسي لأنني أهملت فيها فها هي قد اتسخت ملابسها..

 

 

 

 

وكأنني طلبت المشيب قبل أن يُكتب عليّ وتلمست طريقي للهموم قبل أن يأتي دوري..

 

 

 

 

وعجب العُجاب أن كل رفيقاتي كذلك فعلن ما فعلتُ وزدن عليه وأسرفن .

 

 

 

 

 

عندما كبُرت حكى لي أستاذي في يوم من أيام الشتاء، ولا أعرف لما اختار ذاك اليوم الممطر.. تحدث بصوته المعهود ــ ذاك الصوت الذي ما غاب عن ذهني وما يئست من استحضاره ــ.. يعتدل في جلسته ويطلق تنهيدته

 

 

 

 

“هييييييييييييييييييه خُلقت المرأة وهي بداخلها إحساس الأمومة; تطلبه منذ الصغر، تحلم بيوم زفافها وإن كان لا يعني لها شيئًا غير أن بعده بتسعة أشهر ـ لا أقل ولا أكثر ـ ستحمل لقب أم.. وإن اشتاقت للحزن وانتابتها نوبة شجن ووجدت الدموع طريقها لتتحرر.. تخيلت أنها ستكون عقيمًا وتخوض في مخيلاتها حد البكاء والوجع.. الطفلة أم والمراهقة أم والعجوز أم.. وإن اختلفت الملامح”.

 

 

 

 

ما زاد على ذلك وما نقص. وما زدنا على ذلك القول بعده وما نقصنا. حملناه في قلوبنا ومضينا في احتساب.

 

 

 

 

 

(2)

 

تحدثني صديقتي أن خطر العنوسة يدق على الأبواب، فيا لقلة الرجال ويا لكثرتهن!

 

 

كانت وقتها لم تتعد العشرين بعد.

 

 

 

وكانت تحكي لي عن قصة الحب العنيفة التي تعيشها.. حتى أصبح العنف على الحب لا له ..حينها طرق بابها رجلٌ يريد أن يتزوجها.

 

 

 

 

 

بعثت له بكتابها تخيره بين أن يأتي على عَجَل أو أن تذهب هي على عَجَل.. “وهي لم تُكمل العشرين”. تهرول ملتفتة وراءها, كـأنها يطاردها شبح.

 

 

 

شبح العنوسة إذًا.

 

في نهاية الأمر ذهب هو وبقيت هي مع من طرق بابها.. حازت لقب الزوجة عند الناس وأرملة الطفولة عندي.

 
على كل حال قد ارتاحت من السؤال العقيم والاستجداء الأبله “مش تشدي حيلك بقى!”.

 

 

 

 

كانت تأتي فتنهل من ذكريات الطفولة وأحلام الصبا ما شاء الله لها وما قدرت على حمله.. تُخزن الضحكات وتملأ كيسًا من التفاهات وتمضي إلى تلك الفجوة الزمنية التي رمت بنفسها فيها.

 

 

 

كلما تذكرتها تذكرت الفنان المبدع محمد نجم في أحد مشاهده المعجزة وهو يقول ويعيد ويردد بلا هدف ..

 

 

 

عزت.. مجاش! يمكن سبق.. يا لهوي يا لهوي… دا أنا مدياله العنوان على هنا !

 

 

يـــــــا لوجع القلوب.. كلاهما ينتظر والانتظار اختيار..

 

 

 

 

(3)

 

كان أحد أيام الربيع.. والمسكينة منذ طفولتها وهي تعتقد أنه لا يمكن أن يحدث سوء في ذلك الفصل المبهج, وأن الله قد كتب على خلقه فيه النعيم فلا يشقون فيه أبدًا..

 

 

عاد والدها يحمل خبزًا ولحمة, ويمشي على عجل.

 

 

*أسرعي بتحضير الطعام فلدينا ضيوف.

 

**ومن يكون! ربما أحد الذين ألفوا طعامنا أكثر مما ألفونا… لا يهم على كل حال.

 

 

وإذ بأخيها الصغير الذي لم يعد صغيرًا يوسوس في أذنيها أتعرفين من الضيف.. إنه الشيخ.. جاء ليخرج الجن الساكن بداخلك حتى تتزوجي.

 

 

 

**

 

 

*أمي.. هل حقا يسكن بداخلي جن؟

 

 

**لا، ربما عمل شيطاني من أحد كارهي الخير لكِ لا أكثر.. سيفكه الشيخ وتتزوجين بعدها إن شاء الله .

 

 

 

مسكينة كيف حملها لسانها على السؤال ولما لم تنته الحياة عند تلك اللحظة!

 

 

 

تحجرت الدموع ثم انهمرت.. ضعف الإيمان في قلبها حد الهشاشة.. وإن هي أوقفت الحياة بيديها الآن كُتبت لها النار.

 
يـــــــــــــــــــا الله.. أهناك نار أشد حرقة مما تأكل في صدرها الآن!

 

 

ارتمت على سجادة الصلاة ولم تنطق بشيء.. لم تطلب شيئًا.. ولم تأمل في شيء.. صامتة وملايين الأصوات بداخلها تتردد فتجد خواءها فتسكن فيه وتستكين…

 

 

 

حتى أتى من حمل رأسها وجرها وراءه “جسد كسيح وروح هامدة”.

 

 

 

 

قال الشيخ ما قال وسمعت منه ما سمعت.. ثم قال دعوها وشأنها فالنور يشع من جسدها.. وتغتسل بهذا الماء إن أرادت.

 

ومضى..

 

 

لم يأخذ معه مرارة العنوسة وأضاف عليها مرار المذلة. وجسد انطفأ نوره وروح شُلت على آخرها.

 

 

 

 

(4)

 

أنا قلبي دليلي وقالي هتحبي.. أنا… أنا قلبي دلي لي ي ي ي يلي ..
مسكينة ليلى مراد استعطفت الحب في كلماتها حد الإهانة.. كانت كمن يعاتب سيده بخضوع فيهادنه..

 

 

تغني غناء من انتظر ولم ينل فطبطب على نفسه بالأمل.

 

 

 

 

لا أعلم أي انكسار جعلنا نتخذ من تلك الأغنية البائسة شعارًا لنا ـ أقصد نحن العانسات.

 

 

 

 

تشيب كل ذرة في جسد الإنسان بمرور الوقت, حتى الروح تشيب. إلا تلك الفتاة التي لم يحالفها الحظ بعد ويطرق بابها رجل .

 

 

 

 

أتعرفون؟ كلما مر بها الزمن صغُرت حتى فقدت إحساس الأمومة ذاته, ولم يعد يهمها أمر. ولا يشغلها غير أن يكون لها صاحب.. تعيش به وتستغني به عن الزاد والزواد.. يصبح مركزية حياتها.. تتستر حول ذاته العليا من سؤال الخلائق..عرفتم إلى أي مدى صغُرت تلك المسكينة !

 

 

صغرتها نظرات الناس والأمل المستميت.

 

 

 

 

بني البشر.. والله لو أن الرجل صنعةٌ لتعلمتها ولو كان طريقًا لمشيته.

 

 

أتعلمون.. والله لو كان موتًا لذقته..

 

 

 

فيا خلق الله لا تجعلوني أسأل المالك عن حكمته في ملكه ..

 

 

 

ولو كان ثقُل عليكم قدر الله وقضاؤه.. وإن كنتم ترون ثمة تأخيرًا فاذهبوا إلى الله واسألوه السبب.. جادلوه في ملكه.

 

 

 

 

وإن كانت وجوهنا تؤذيكم فسنّوا القوانين لوأدنا بعد الخامسة والعشرين وأريحوا واستريحوا.

 

 

 

أحسنوا عزاءنا بالصمت أحسن الله عزاءكم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد